كان واحداً من الذين أعلنوا جهاراً رفضهم لاتفاق “إعلان المبادئ” الذي تمّ التوصل إليه بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في أوسلو. بل هو ذهب في رفضه المعلن إلى حدّ الاستقالة من عضوية اللجنة التنفيذية.
مع ذلك الرفض، وبالرغم منه، عاد عبد الله الحوراني مع العائدين إلى مدينة لجوئه غزة، فالوطن كما قال ليس فكرة تحتمل الصواب والخطأ.
عبد الله الحوراني الذي رحل عن عالمنا قبل أيام، خرج من قريته “المسميّة” مع عائلته ولداً وحيداً بعد أن سقط أخواه شهيدين في حرب النكبة عام 1948، فعرفته مدرّساً في مدرستي الإعدادية وإن لم أكن من تلاميذه، ثم بعد ذلك مديراً لمدرسة أحمد عبد العزيز قبل أن تبعده مباحث أمن الدولة المصرية عن وطنه بسبب نشاطه السياسي ، ليعيش اغتراباً طويلاً استمر حتى عودته مع تأسيس السلطة الفلسطينية.
مع حضور الراحل السياسي، المتعدد في وجوهه ونشاطاته، يروق للمراقب أن يرى فيه رجل المؤسسة الثقافية بامتياز: علاقته بدأت منذ أن كان مديراً عاماً لهيئة الإذاعة والتلفزيون في سورية سنوات الستينات، وحتى ما بعد حرب حزيران 1967، ليتولّى بعد ذلك منصب مدير عام “معهد الإعداد الإعلامي” في دمشق أيضاً.
بدايته مع الثقافة الفلسطينية كانت مع تولّيه موقع الأمين العام لدائرة “الإعلام والتوجيه القومي” في منظمة التحرير الفلسطينية”، التي كان له الدور الأبرز في تنامي اهتمامها بالشأن الثقافي بعد عقود من تكريسها للشأن الإعلامي وحسب.
في تجربته مع الثقافة والمثقفين يمكننا ملاحظة مرحلتين، الأولى يوم كان مديراً عاماً للدائرة التي حملت اسمها القديم المعني بالشأنين الثقافي والإعلامي، ثم ذلك الدور الأبرز، والأكثر فاعلية، والذي أزعم أنه تنامى ودفع لاستقلال الثقافة عن الإعلام بفضل من جهده هو بالذات، وبفضل تمكنه من جعل الموضوع الثقافي في بؤرة أحداث فلسطينية طابعها العام هو السياسة.
عبد الله الحوراني الذي أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان منطقياً أن يتولى رئاسة “دائرة الثقافة”، وأن يبدأ من تلك اللحظة الفارقة في تاريخه وتاريخ الدائرة رحلة طويلة مع الفضاء الثقافي ومشروعاته.
هنا بالذات نقف أمام سيل غزير من المشروعات الثقافية والنشاطات اليومية التي اقترحها وأشرف على تحققها، والتي أثرت الحياة الثقافية طيلة عقدين ويزيد.
في الكلام عن تجربة الراحل “أبو منيف” لا بد من الوقوف مع تأسيسه عدد من مؤسسات الثقافة بوجوهها الفنية والأدبية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر تأسيس وإطلاق “فرقة أغاني العاشقين” الغنائية بالتعاون مع الموسيقي المعروف حسين نازك. بدءاً من اختيار اسم الفرقة كان واضحاً أنها تحمل اهتماماً مغايراً لتلك “التقاليد” الغنائية الفلسطينية التقليدية، والتي رأت في الغناء فناً يتوجب تكريسه للدعاية أكثر من أي غاية أخرى. تلك الفرقة لا تزال تمارس عملها ونشاطاتها الغنائية إلى اليوم. يحضر للذهن بالقوة ذاتها اهتمامه بالمسرح: الفرقة المسرحية كانت على مدار عقدين طويلين تلقى اهتماماً بالغاً جعل تلك الفترة زمناً ذهبياً للمسرح الفلسطيني، نجح المسرحيون خلاله في تقديم عدد كبير من المسرحيات، على أيدي عدد من المخرجين الفلسطينيين والعرب، وإن كان الدور الأبرز والأكثر غزارة للمخرج المعروف جواد الأسدي. هنا بالذات سنلاحظ أن ما قدمته الفرقة من أعمال مسرحية لم يكن كالمعتاد يحمل عناوين ومضامين فلسطينية، فقد رأى الراحل أهمية أن يقدم “المسرح الوطني الفلسطيني” أعمالاً عربية وعالمية، تحمل مفاهيم ومضامين إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
أتذكر بكثير من الاعتزاز تلك السنوات الخصبة من حياة المؤسسة الثقافية الفلسطينية الرسمية تحت إشراف عبد الله الحوراني، فأتذكر اهتمامه بالدراما التلفزيونية، إذ حقق أول المسلسلات الفلسطينية ومنها “بأم عيني” عن كتاب المحامية الإسرائيلية المعروفة فيليتسيا لانغر، والذي تناول ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من تعذيب وحشي في السجون الإسرائيلية.
تلك عناوين الثقافة وفروعها، أما في الفعل اليومي فتحضر بالتأكيد نشاطات دائرة الثقافة في مختلف المدن والعواصم العربية، حيث دأب الراحل على تنظيم “أسابيع ثقافية” في هذه العاصمة العربية أو تلك، أتذكر أنني شاركت في بعضها كما هو حال الأسبوع الثقافي الفلسطيني في تونس وصفاقس التونسيتين، ومثله في دمشق وحلب والرقة وغيرها.
أهم ما يلفت الانتباه ونراه جديراً بالتسجيل والتأكيد عليه في كلّ تلك النشاطات هو روح التنوع والتعددية التي حملها، والتي أثرت عمله ومشروعاته الثقافية. فهذا الرجل السياسي وصاحب الرأي والموقف، كان في حضوره الثقافي يفسح مجالاً واسعاً للمختلفين معه ليأخذوا دورهم الثقافي في صورة لا أعتقد أنهم حصلوا على مثيل لها مع أي مسؤول سياسي أو ثقافي فلسطيني آخر، ما يجعلنا نؤكد بثقة أن من النادر أن نعثر على أديب أو فنان فلسطيني لم تتعاون معه دائرة الثقافة في عهده، وهو تعاون حكمته باستمرار القواسم المشتركة وروح الحوار الإيجابي فأثمر وصار علامات مضيئة لا تنسى.
رجل الثقافة والفن والأدب نعم، ولكنه قبل ذلك وبعده رجل السياسة والمواقف المبدئية، التي وإن اختلفنا مع بعضها، لا نستطيع إلا أن نحترم مبدئيته فيها: وصل عبد الله الحوراني لعضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية من موقع مستقل تنظيمياً عن الفصائل والأحزاب، وعاش الفترة العاصفة فلمع نجمه خلال الحوارات الفلسطينية الأولى مع الولايات المتحدة، والتي بدأت بالمشاركة في الحوار مع السفير الأميركي في العاصمة التونسية بلليترو.
كان ممن يؤمنون بضرورة أن ينال الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وتأسيس دولته المستقلة، لكنه مع ذلك رأى أنه لا يتوافق مع اتفاق أوسلو فأعلن استقالته من عضوية اللجنة التنفيذية وعاد إلى غزة بعد تجوال طويل ومرير في المنافي.
هنا بالذات لا بد من التأكيد على تميُزه في اختلافه: قال الراحل رأيه في اتفاق أوسلو كاملاً وواضحاً، ولكنه حرص خلال ذلك أن لا يهاجم أو يتهم أحداً. رؤيته السياسية المختلفة ظلّت دوماً تحت سقف الحوار والتعددية وأهمية التنوع، فلم يلجأ لتجريح أحد وظلّ صديقاً للجميع، بل إنني لا أزال أتذكر أنه فتح بيته للقاءات عديدة كان يدعو لها قادة الفصيلين الكبيرين فتح وحماس، من أجل حلّ الإشكالات التي كانت تنشأ في علاقتهما اليومية، فظلّ على مسافة من الطرفين رغم قناعاته السياسة كرجل سياسة علماني يؤمن حقاً بالتعددية.
عبد الله الحوراني الفلسطيني الحاد في وطنيته، هو أيضاً القومي العربي الذي تأثر كثيراً بالأحداث العربية الكبرى، وبالذات الغزو الأميركي للعراق واحتلاله. كان يرى ويسمع بألم وحسرة، وهو البعيد القريب عن مواقع القيادة ومناصبها الكبرى، لكن ذلك البعد الاختياري لم يمنعه من المساهمة في الكتابة واللقاءات التلفزيونية داعية ومحرّضاً ومحللاً له رأي مختلف.
“المستقبل”







