أود في البداية أن أهنئ السيد الرئيس وكافة المواطنين في سورية بالأمطار والثلوج التي انهمرت بعد انقطاع طويل، ونتمنى أن تكون هذه المناسبة بداية لنهاية حالة الجفاف التي عشناها، وللصعوبات التي نواجهها في مجال شح المياه ونقص المحاصيل، وأن تتوسع هذه الحالة لتشمل كافة مناطق القطر، بما فيها المناطق الشرقية التي مازالت تعاني من جفاف رغم أنها المكان الرئيس لمحصول القمح السوري، ويعاني أهلها نتيجة للجفاف.
لن نقف طويلاً عند أسباب نزول الأمطار والثلوج، فكل له معتقداته، ونحن في سورية عشنا على التنوع، وعلى قبول كافة المعتقدات طالما أن كل مايحصل من حوار هو تحت السقف الوطني، وفي مصلحة الوطن، فمن أراد أن يربط الأمطار والثلوج بصلاة الاستسقاء التي دعا إليها السيد الرئيس مشكوراً فله ذلك، ومن لايعتقد بوجود رابط فله ذلك أيضاَ، ولكنني أعتقد أننا جميعاً فرحين بهطول المطر والثلج، وهذا هو بيت القصيد، وكان يفترض أن تعم الاحتفالات بدلاً مما شهدناه في الأسبوع الماضي من مهاترات إعلامية لاطائل منها.
عندما تحركت الماكينة الإعلامية لاقتناص زلة لسان الشيخ البوطي، تحركت كالعادة بأسلوب انتهازي وليس تحليلي أو توضيحي، فتم قص ولصق بعض مماقاله الشيخ، وتم تحريفه بأسلوب متعمد، ووصل البعض إلى دمح خطبيتين مختلفتين بطريقة الخطف خلفاً ، بما يخدم تشويه ماقاله الشيخ البوطي، وطبعاً في الإعلام السوري هذا الأمر قد اعتدنا عليه، رغم أننا كنا لانتمنى استخدام هذا الأسلوب في قضية حساسة كالتي تم طرحها، وزلة الشيخ البوطي في طرحه لاتخفي عدالة القضية التي لجأ فيها المتضررين إليه، وهذا الأمر قد تم بسبب إغلاق الطرق القانونية أمامهم. وهو يؤشر إلى خطورة تحييد القضاء، كونه يؤدي لإضعاف دور الدولة إلى صالح رجال الدين، وهذا ماحدث في حالتنا.
زلة الدكتور البوطي:
رغم أن الشيخ البوطي لم يكن يقرأ من نص مكتوب، وإنما كان يرتجل خطابه، فقد كان من الضروري أن ينتقي كلماته بعناية أكبر، ولايشفع له تأثره بالشكاوى الكثيرة التي وردته من شرائح واسعة من المواطنين ( المدرسات – أصحاب المدارس – أهالي التلاميذ)، وخشيته من عدم هطول المطر بعد صلاة الاستسقاء، وكان يجب أن يدرك أن ماسيقوله سيحاول البعض تشويهه، ولكنه يلقي خطبة ولايكتب مقالاً صحفيا، وهو في النهاية بشر يخطئ ويصيب.
طبعاً يحق للشيخ البوطي أن يعتقد بأن شح الأمطار له أسباب محددة، ويحق لغيره الاعتقاد بوجود أسباب أخرى، ولكن الشيخ البوطي(برأينا) قد أخطأ عندما استخدم عبارة (لن يستجاب الدعاء)، ورغم أنه استخدمها في سياق شرح مخاطر أن لايهطل المطر بعد صلاة الاستسقاء، وفي سياق حرصه على هطول المطر، إلا أن هذه العبارة كانت كافية لتقيم الدنيا وتقعدها وسأكررها ( كما هي) لتوضيح ماكان يعنيه
(إن صليت صلاة الاستسقاء دون هذا الشكل الذي قاله الأئمة، ولم تكن الشروط مهيئة، ( لن يستجاب الدعاء)، وعندئذ ستكون نتيجة هذه الصلاة أن نسمع الاستهزاء بنا.)
أما باقي ماورد في الإعلام (العام والخاص)، فهو فرقعات إعلامية معروفة ولن نقف عندها، وهي تحمل التناقض الضمني، فبمجرد الدعوة إلى صلاة الاستسقاء في سورية، فهذا يعني الموافقة على مبدأ السببية بين الصلاة ( ومستلزماتها) والمطر، وهذا الأمر ليس موضع إجماع، ولكن الإنطلاق من رفض هذا المبدأ قم الاستشهاد بهطول المطر بعد الصلاة أمرغير مقنع أيضاً.
نعود إلى القضية المحقة التي تم طرحها، والتي تتعلق بالظلم الذي أوقعه وزير التربية على مجموعة كبيرة من المواطنين بغير وجه حق ( لن نناقش قضية المسلسل التي نعتقد أنها قضية فقهية – فنية لاتعني المواطن لامن قريب ولامن بعيد).
عندما صدر قرار نقل المنقبات تعسفياً تحدث وزير التربية عن عدم قدرة هؤلاء المعلمات على التواصل مع التلاميذ، ويومها استغربنا مايقوله إذ لايوجد معلمة تقف بغطاء للوجه أمام التلاميذ، ولكن من الواضح أن الحديث الإعلامي للوزير لم يكن موجهاً للمواطن، ولكنه في معرض تبرير مقترحه لإصدار قرارمنع وضع النقاب في قاعة الدرس، وهذه الحالة غير موجودة في سورية. ولم يكن الوزير هو الوحيد الذي قام بذلك، ولكن الماكينة الإعلامية (العامة والخاصة) التي تتحدث عن مشكلة غير موجودة في سورية وتربطها بنقل المعلمات من سلك التعليم إلى سلك آخر.
على أية حال، هذا الموضوع قد أصبح خلفنا، ونترك قطاع التعليم لوزير التربية لنرى كيف سيفي بوعوده بتحسين هذا القطاع بعد كل هذه السنوات التي سنتحدث عن نتائجها المدمرة تربوياُ في توقيت لاحق، وعن المبالغ الكبيرة التي أنفقت دون جدى تذكر. ولكن الآن ربما يجب أن نوضح، أنه ومن منطلق حق المراة في العمل في مكان يتناسب مع طبيعتها، لابد من إعادة النظر في بعض الحالات الإنسانية، فإحدى المدرسات تعمل الآن كمشرفة في مرآب السيارات وتسمع العبارات النابية من السائقين، ويتطلب ذلك تحركاً ميدانياً لايتناسب معها، ولانعتقد أن هذا هو المطلوب من عملية النقل، وليست هذه هي مكافأة نهاية الخدمة لهؤلاء، فسواء شاء البعض أم لا، كن معلمات، ويجب أن لاتمتهن أماكن عملهم الجديدة من قيمتهم، بل أن تتناسب أماكن عملهم الجديدة مع حق المرأة في العمل اللائق
النقطة الثانية المتعلقة بالمدارس التي وضعت تحت الإشراف بتهمة التشدد، فإحدى المدارس الخاصة التي صنفت مدرسة متشددة، هي مدرسة كل ذنبها أنها تجاورمدرسة خاصة أخرى تعود لأحد العاملين في وزارة التربية، وقد ذكرنا هذا المثال لتوضيح أن القضية ليست كما يبدو على السطح. وهناك حالات كثيرة لمدارس تم ضمها للقائمة كتصفية حسابات خلال الفترة التي فصلت بين صدور القرار وتنفيذه، وقد تم تركيب الملفات والتلاعب بالمراسلات والوثائق المتعلقة، وهذا الأمر مازال قيد التلاعب حتى من قبل أعضاء الضابطة التي يبدو أنها غير مؤتمنة، فعناصرها لايحترمون القانون، ويقررون مايريدون مشافهة وجزافاً دون أي مستند قانوني، وأصبحت اللجان التي تزور المدارس تذكرنا بلجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الحريري، والتي يبدو أنها قد أصدرت حكمها قبل أن تقوم بزيارة أي مدرسة، وتعدل القوانين والتعليمات كما يحلو لها، ومن مدرسة لأخرى، وكل ذلك شفهياً.
مانطالب به في حالة المدارس أن يسمح للمظلومين باللجوء للقضاء، ونود هنا التذكير بماقاله الوزير في اجتماعه مع أصحاب المدارس من أنه فوق القانون، ( وقد أشرنا لهذا الموضوع في حينه)، ويبدو أنه يتصرف كذلك حتى الآن، وهذا ماقادنا إلى تدخل رجال الدين في الموضوع التربوي والتعليمي، والحل يكمن في سيادة القانون ليس إلا.
وعملاً بمبدأ الشفافية الذي عودنا عليه السيد الرئيس، فإننا نقترح أن ينتدب السيد الرئيس من يثق به إلى وزارة التربية ليدقق في صحة أو عدم صحة ماطرحناه، علماً بأننا بمجرد تحديد هذا الشخص يمكننا تسريب المعلومات التي لدينا إليه، وذلك كوننا حريصين فعلاً أن لاننشر معلوماتنا في وسائل الإعلام إلا بالحد الأدنى، فهذا بلدنا وسمعته تهمنا، ولانريد فعلاً أن يصبح النظام التعليمي السوري مجال تندر إن تم نشر هذه المعلومات.
“كلنا شركاء”




















