لما كان تعريف علم السياسة بأنه هو ” إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة ” يكون بالطبع أول مباحث السياسة وأهمها بحث ( الاستبداد ) أي التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى .
ما هي طبائع الاستبداد ؟ لماذا يكون المستبد شديد الخوف ؟ لماذا يستولي الجبن على رعية المستبد ؟ ما تأثير الاستبداد على الدين ؟ على العلم ، على المجد ، على المال ، على الأخلاق . على الترقي ، على التربية ، على العمران ؟ من هم أعوان المستبد ؟ هل يُتحمل الاستبداد ؟ كيف يكون التخلص من الاستبداد ؟ بماذا ينبغي استبدال الاستبداد ؟
الاستبداد لغة : هو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة .
ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة لأنها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة . وأما تحكم النفس على العقل ، وتحكم الأب والأستاذ والزوج ، ورؤساء بعض الأديان ، وبعض الشركات ، وبعض الطبقات ، فيوصف بالاستبداد مجازاً أو مع الإضافة .
الاستبداد في اصطلاح السياسيين : هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة ، وقد تطرق مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في مقام كلمة ( استبداد ) كلمات : استعباد ، واعتساف ، وتسلط ، وتحكم . وفي مقابلتها كلمات : مساواة ، وحس مشترك ، وتكافؤ ، وسلطة عامة . ويستعملون في مقام صفة ( مستبد ) كلمات : جبار ، وطاغية ، وحاكم بأمره ، وحاكم مطلق . وفي مقابلة ( حكومة مستبدة ) كلمات : عادلة ، ومسئولة ، ومقيدة ، ودستورية .
هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات . وأما تعريفه بالوصف فهو أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً ، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين . وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة ، أو أمثلة تقليدية ، أو على إرادة الأمة ، وهذه حالة الحكومات المطلقة . أو هي مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوى ، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تسمي نفسها بالمقيدة و بالجمهورية .
ومن الأمور المقررة طبيعة وتاريخياً أنه ما من حكومة عادلة تأمن المسئولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا وتسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد . وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين : جهالة الأمة ، والجنود المنظمة . وهما أكبر مصائب الأمم وأهم معائب الإنسانية ، وقد تخلصت الأمم المتمدنة نوعاً ما من الجهالة ، ولكن بليت بشدة الجندية الجبرية العمومية ، تلك الشدة التي جعلتها أشقى حياة من الأمم الجاهلة وألصق عاراً بالإنسانية من أقبح أشكال الاستبداد .
وقد تكلم بعض الحكماء لا سيما المتأخرون منهم في وصف الاستبداد ودوائه بجمل بليغة بديعة ، تصور في الأذهان شقاء الإنسان كأنها تقول له : هذا عدوك فانظر ماذا تصنع . ومن هذه الجمل قولهم :
” المستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم ، ويعلم نفسه أنه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق الحق والتداعي لمطالبته ” .
” المستبد عدو الحق ، عدو الحرية وقاتلهما ، والحق أبو البشر والحرية أمهم ، والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئاً ، والعلماء هم إخوتهم الراشدون ، إن أيقظوهم هبوا وإن دعوهم لبوا وإلا فيتصل نومهم بالموت ” .
” المستبد يتجاوز الحد ما لم ير حاجزاً من حديد . فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم كما يقال : الاستعداد للحرب يمنع الحرب ” .
” المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم دراً وطاعة ، وكالكلاب تذللاً وتملقاً ” .
الاستبداد أعظم بلاء لأنه وباء دائم بالفتن وجدب مستمر بتعطيل الأعمال ، وحريق متواصل بالسلب والغصب ، وسيل جارف للعمران ، وخوف يقطع القلوب ، وظلام يعمي الأبصار ، وألم لا يفتر ، وصائل لا يرحم ، وقصة سوء لا تنتهي .
* مقتطفات من كتاب ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ” .




















