لا يستطيع القارئ إلا أن يستنتج أن ما يريده الزميل أحمد الصراف في مقالته “أصحاب الرسالة الخالدة” المنشورة في صحيفة “القبس” الكويتية بتاريخ 5/12/2010 هو تفنيد أو تفتيت فكرة وجود أمة عربية واحدة سياسياً وثقافياً مبتدئاً بهجومه على شعار حزب البعث ثم معتمدا على تقرير مجتزأ من مجلة “الايكونومست” البريطانية لإثبات ما أراده.
وإن اتفقت مع الزميل أحمد بأن تحقيق كيان سياسي عربي واحد حلم يصعب تحقيقه، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود شعوب تتكلم لغة عربية واحدة ولها ثقافة وتاريخ مشتركان مشكلة بذلك أمة عربية. وما اقتبسه من “الايكونومست” لدعم وجهة نظره لا يشكل حجة مقنعة لنفي وجود هذه الامة. ورد في المقال “أن تقول أنك عربي يشبه أن تقول أنك أوروبي فالهوية هنا غير واضحة” ويضيف “من الصعب على السوري العادي أن يفهم ما يقوله المغربي العادي”، ويقتبس ممّا ورد في “الايكونومست” على ما أعتقد: “لو نظرنا الى فسيفساء الشعوب العربية لما وجدنا لباسا موحدا أو طعاما مشتركا يجمعهم أو ملامح قريبة من بعضها”.
والزميل أحمد يعرف أنه حتى في البلد الأوروبي الواحد توجد لهجات يصعب على أهل منطقة أخرى فهمها. فأهل مدينة نيوكاسل التي تقع في شمال غرب انكلترا يتحدثون بلهجة لا يفهمها أهل لندن. وأخبرني صديق مرة من مدينة دوسلدورف في ألمانيا أنه واجه صعوبة في فهم لهجة أهل زوجته التي لا تبتعد عن مدينته أكثر من 200 كلم. فاللغة وهي المكون الرئيسي لثقافات الأمم شيء واللهجات شيء آخر. فلغة الفرنسي تختلف كليا عن لغة الألماني ولا يمكن مقارنة فوارقها بخلاف لهجة السوري مع المصري أو الليبي أو حتى المغربي، ثم هؤلاء الأخيرين يقرأون ويكتبون لغة واحدة. وفي هذا المجال أستعيد ما كتبته حول موضوع اللغة في “القبس” منذ أكثر من خمس سنوات وكان بعنوان “المسافة إلى فاس أقرب من طهران”. تحدثت فيه عن زيارة لمدينة فاس في المغرب وطهران لحضور مؤتمرين فصلهما حوالى الشهرين. فقد وجدت نفسي مندمجا مع أهل مدينة فاس ومتفهما لجزء كبير من لهجتهم بعد يوم واحد. والأهم من ذلك أن الصحافة والإذاعة والتلفزيون في المغرب تكتب أو يتم الحديث فيها بلغة عربية واضحة. بينما في طهران وفي هذه المدينة الكريم أهلها، وجدت نفسي في غربة لعدم قدرتي على التواصل مع من حولنا وكان بعضهم مشاركين في المؤتمر.
هذا ومع رفضنا لأي فكر عنصري أيا كان مصدره، إلا أن الشعوب تنجذب لبعضها واجدة قواسم مشتركة مثل اللغة والدين والتاريخ المشترك. وأرى أن اللغة هي أهم رابطة للأمة. فهي ليست إرادة للتواصل وإنما هي المكونة للذاكرة وللثقافة والتي نعبر فيها عن همومنا المشتركة. لذا فإن مرقص المصري أو حنا اللبناني أقرب لنا من محمد الباكستاني أو حكمت التركي. كما أننا عندما نقرأ شعرا أو رواية أو نسمع أغنيه لمغربي أو لبناني أو سعودي، فإن عواطفنا لا تتشكل وعقولنا لا تتفتح وفقا لجنسية الشاعر أو الكاتب أو المطرب، وإنما لجودة ما نقرؤه أو نسمعه. ومخزوننا الثقافي العربي واحد وهو يشمل كل ما كتب من أدب وعلم في اللغة العربية خلال أربعة عشر قرنا. وبالرغم من تخلفنا ومشاكلنا المتفاقمة، فإن كثيرا مما يتضمنه هذا المخزون الثقافي يعتبر إضافات أصيلة على الفكر الإنساني.
ففكرة الأمة العربية الواحدة ليست من صناعة حزب البعث، وفشل هذا الحزب لا ينفي وجودها. كما أن السياسة والاتفاقات بين الدول قد تجمع مصالح مشتركة، لكنها لا تصنع أمما. والأمة العربية قد تكون متخلفة ومنقسمة لكنها موجودة. وهذا ما تعتقده شركة مايكروسوفت الأميركية، فهي لا تطور برمجيات بلغة المغرب أو مصر أو سوريا وإنما بلغة واحده لهذه الشعوب التي تشكل الأمة العربية.
(Hamed.alajlan@gmail.comكاتب كويتي)











