الأزمة التي تعتور العلاقات الإسرائيلية- التركية، والمتفاقمة منذ الهجوم الدامي الذي شنّه الكوماندوس البحري الإسرائيلي في نهاية أيار الفائت على “أسطول الحرية” بقيادة سفينة “مافي مرمرة” التركية بينما كان متجهًا إلى غزة، عادت إلى واجهة وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال آخر أسبوعين، وذلك بعدما أنعشت مبادرة أنقرة إلى إرسال مساعدات لإخماد حرائق الكرمل في مطلع الشهر الحالي آمالا عريضة لدى أوساط ومحافل حكومية وأمنية إسرائيلية رفيعة المستوى، بإمكان إعادة العلاقات الوطيدة بين الدولتين إلى سابق عهدها، أو على الأقل كسر البرود الشديد المخيّم على هذه العلاقات منذ قرابة عامين.
في البداية اكتسبت عناوين وتقارير وتعليقات معظم وسائل الإعلام نبرة تشي بالتفاؤل وتبعث على الأمل بقرب تحقيق الانفراج وإعادة الدفء إلى أوصال العلاقة الإستراتيجية الحميمة في ما مضى بين البلدين، لا سيما بعدما نشر أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قرر “انتهاز النيران المشتعلة في غابات الكرمل لإطفاء النيران السياسية المشتعلة بين بلده وتركيا”، وأنه بدأ إثر ذلك تحركًا يهدف إلى إيجاد مخرج للأزمة بين الدولتين، كلف في نطاقه المندوب الإسرائيلي في لجنة التحقيق في “أحداث أسطول الحرية” التابعة للأمم المتحدة، يوسف تشخنوبر، بالالتقاء بمسؤول تركي في جنيف، كما بادر نتنياهو بنفسه أيضا، ولأول مرة منذ تسلمه رئاسة الحكومة، إلى إجراء محادثة هاتفية مع رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، ونقل عنه قوله عقب هذه المحادثة (في 3 كانون الأول الجاري) إنه واثق من أن تقديم المساعدة التركية سيكون مدخلا لتحسين العلاقات بين البلدين.
لكن سرعان ما اتضح أن التفاؤل والأمل سابقان لأوانهما. وقال مصدر إسرائيلي مسؤول إن المحادثات الثنائية بين تركيا وإسرائيل عاودت التعثر مجددًا عقب رفض الأخيرة مطلب أنقرة الاعتذار عن قتل تسعة أتراك شاركوا في “أسطول الحرية”. ونقلت صحيفة “هآرتس” عن هذا المسؤول، الذي طلب عدم ذكر اسمه، قوله إن هذه المحادثات “تواجه عقدة مستعصية، وأن الفجوات بين مواقف الجانبين لا تزال كبيرة”. وفي وقت لاحق أدلى نائب وزير الخارجية الإسرائيلية، داني أيالون، بتصريحات في هذا الشأن أكد فيها أنه “ليس لدى إسرائيل نية لتقديم اعتذار إلى الحكومة التركية”. وتطرح تركيا الاعتذار باعتباره واحدًا من مطلبين لتجاوز الأزمة، وثانيهما دفع تعويضات للجرحى وعائلات ضحايا الهجوم على “أسطول الحرية”.
ولدى قراءة معظم التحليلات الإسرائيلية في هذا الصدد يمكن الاستنتاج بأن الحكومة الإسرائيلية يتنازعها هاجسان إزاء مطلبي تركيا:
الأول، أنه ستكون للاعتذار انعكاسات على أي عمليات عسكرية في المستقبل، فضلاً عن أنه في حال اعتذار إسرائيل وتقديمها تعويضات لتركيا فسوف يطرح السؤال: لماذا لم تتصرف بالمثل في حالات شبيهة أخرى؟
الثاني، ثمة من يأملون في إسرائيل بـ “حدوث تغيير في السلطة الحاكمة في تركيا في الانتخابات البرلمانية” المقرر إجراؤها في صيف العام المقبل (2011)، ولذا فإنهم يخشون من أن يفسر أي “تنازل إسرائيلي” في موضوع الاعتذار والتعويض على أنه إنجاز لرئيس الوزراء التركي وحزبه (“العدالة والتنمية”) ذي التوجهات والميول الإسلامية، علمًا بأن معلقين كثيرين يخالفون هذه التقديرات الإسرائيلية ويؤكدون أن مكانة أردوغان السياسية في تركيا قوية وراسخة بمعزل عن أي إنجازات قد يتم تحقيقها في الموضوع الإسرائيلي.
لكن سواء اعتذرت إسرائيل وقدمت تعويضات أم لا، فإن التحليلات كلها تكاد تُجمع على ضرورة عدم التعلق بأهداب الوهم بأن في إمكان طائرات إخماد الحرائق التركية أن تخمد النار التي شبت في العلاقات بين الدولتين، وأنه حتى في حال العثور على صيغة تلبي مطلبي أنقرة بشأن الاعتذار والتعويض فسوف تبقى إسرائيل تواجه سياسة تركية إشكالية في أساسها. ويذهب بعضها إلى حدّ الاستنتاج أن تركيا أصبحت مثل إيران، أي أنها معادية للغاية، كما أن آخر تصريح أدلى به أردوغان أثناء زيارته لبيروت (وكان فحواه أن “تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي” في حال اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل و”حماس” أو بينها وبين “حزب الله”) يجعل الخطر التركي ملموسًا أكثر فأكثر. ومن الآن فصاعداً فإن تركيا، في نظر هذا البعض، أصبحت عدوًا محتملاً لإسرائيل ويمكن أن تحاربها.











