برلين – من سوسن أبو ظهر:
في وزارة الخارجية الألمانية الحركة لا تهدأ، يبدأ العمل في بعض المكاتب في السادسة صباحاً، تراها مضاءة من نافذة فندقك المقابل للمبنى، ويستمر إلى ما بعد السادسة مساء. وللممارسة الديبلوماسية أصولها وقواعدها، وخصوصاً بالنسبة إلى المسؤولين الرفيعي المستوى غير السياسيين الذين لا يتغيرون بتبدل الحكومات، فهم يستقبلونك بناء على موعد سابق، ولكن لا يُصرح لهم ولك بنشر إجاباتهم، فتلك من مهمات الناطق الرسمي. وفي الباحة الداخلية لوزارة الخارجية التي تزينها شجرة ميلاد عملاقة، وفي المقهى الذي يعج بزوار لا يتطلب دخولهم مركز صنع القرار هذا أكثر من تفتيش بسيط، كان اللقاء.
نسأل بداية عن التقويم الألماني للمشاركة في القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان “اليونيفيل”. يجيب الناطق أن حكومته تعمل على ضمان أمن الحدود اللبنانية البحرية والبرية من خلال دورها في القوة البحرية لـ”اليونيفيل” عند السواحل اللبنانية. وقد تبنى مجلس النواب الألماني (البوندستاغ) بغالبية كبيرة تمديد المهمة حتى 30 حزيران 2011، والتركيز على تدريب القوات البحرية اللبنانية وزيادة جهوزيتها من أجل تحقيق نقل تدريجي للمسؤولية إلى الجانب اللبناني، إذ ستنتهي المشاركة الألمانية في الشق البحري من “اليونيفيل” ما أن يصير في وسع لبنان مراقبة حدوده بنفسه.
وماذا عن المحكمة الخاصة بلبنان، هل ثمة جهود أوروبية ودولية لإنجاز تسوية تُبعد القرار الاتهامي عن سوريا و”حزب الله”، وما موقف برلين من الهجمات المتكررة للمعارضة اللبنانية على صدقية الرئيس السابق للجنة التحقيق الدولية المستقلة ديتليف ميليس والقول بأن النص المنتظر سبق له أن نشر كاملاً في مجلة “در شبيغل”. يأتي الجواب مقتضباً: “إن الاتحاد الأوروبي يدعم تماماً عمل المحكمة الخاصة، وكذلك تفعل ألمانيا. لهذا فإن الحكومة ستزيد مساهمتها في تمويلها سنة 2011 إلى 1,5 مليون أورو”.
وهل أدى الدور الألماني المهم في إنجاز تبادل الأسرى بين “حزب الله” واسرائيل إلى قيام اتصالات غير رسمية بين برلين والحزب؟ يقول إن “حزب الله جزء من حكومة الوحدة الوطنية، غير أن الحكومة الألمانية لا تقيم اتصالات على المستوى السياسي معه”. ويمتنع عن الرد على سؤال عما إذا كانت مفاوضات تبادل الأسرى بين حركة المقاومة الاسلامية “حماس” واسرائيل تحرز تقدماً. ولكن هل هناك قنوات اتصال غير رسمية مع “حماس”؟ يجيب بأن الموقف الألماني من الحركة جزء من سياسة اللجنة الرباعية للسلام، أي أن على “حماس نبذ العنف والاعتراف بحق اسرائيل في الوجود وكذلك بالاتفاقات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية، حينذاك فقط يمكن أن تكون شريكاً في عملية السلام”.
نسأل لماذا لا تضطلع ألمانيا بدور أكبر في هذه العملية، خصوصاً أنها تتمتع بثقة “حزب الله” و”حماس” واسرائيل، فيوضح الناطق أن سياسة بلاده حيال الشرق الأوسط تأتي ضمن القواعد الأوروبية. و”في هذا الإطار، تضطلع برلين بدور أساسي في العمل لتحقيق سلام عربي – اسرائيلي شامل. ولكن نظراً إلى تاريخها، تتحمل ألمانيا مسؤولية خاصة لضمان أمن اسرائيل، وفي الوقت نفسه، فإنها تعترف بحق الفلسطينيين في دولتهم الخاصة. تؤمن برلين وشركاؤها بأن التسوية الدائمة للنزاع الفلسطيني – الاسرائيلي تتحقق فقط من طريق المفاوضات التي يجب أن تؤدي إلى حل الدولتين، دولة اسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة وديموقراطية وقابلة للحياة”.
وماذا عن الشروط الإيرانية لإطلاق الصحافيَين الموقوفين للقائهما نجل سكينة محمدي اشتياني المحكوم عليها بالرجم بتهمة الزنى؟ يقول: “نحن على اتصال وثيق بالسلطات الإيرانية في هذه المسألة، وسنواصل القيام بكل ما في وسعنا لإعادتهما في أسرع وقت”.
وهل تؤتى الجهود الديبلوماسية لمحاورة طهران في ملفها النووي ثماراً وهل تحقق العقوبات نتائج؟ يكرر الموقف الأوروبي والأميركي بأن ايران “فشلت حتى الآن في التعاون الكلي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعليها تبديد كل الشكوك في ما يتعلق بالطبيعة السلمية لبرنامجها النووي. وقد عملنا مدى سنوات للتوصل إلى حل ديبلوماسي للمسألة. ونحن متحدون مع شركائنا في مجموعة الثلاثة زائد ثلاثة (فرنسا وبريطانيا وألمانيا زائد الولايات المتحدة وروسيا والصين) في الأمل في استعداد ايران للرد على مخاوف المجتمع الدولي من برنامجها النووي. نريد عودة طهران إلى طاولة المفاوضات. في نظرنا إن العقوبات تُحدث تأثيراً. قبل أسابيع استأنفنا الحوار مع ايران (في جنيف) وننتظر الجولة المقبلة في كانون الثاني 2011 (في اسطنبول)”.
وختاماً، كيف يمكن وصف العلاقات بين برلين وأنقرة في ظل وجود أعداد كبيرة من الألمان المتحدرين من أصول تركية والشكوى من صعوبات في اندماجهم بالمجتمع الألماني، وهل يريد الاتحاد الأوروبي صراحة أنقرة عضواً فيه. يؤكد الناطق أن العلاقات “حميمة وقوية، فنحن لا تجمعنا الشركة السياسية فحسب، بل وجود أربعة ملايين شخص ذوي أصول تركية يشكلون جزءاً مكملاً للمجتمع الألماني الحديث. وكل ذلك يضيف إلى علاقتنا قاعدة صلبة. وأنقرة تخضع للمعايير نفسها كما أي مرشح آخر للعضوية، والاتحاد الأوروبي ملتزم وعده، ويجري مفاوضات العضوية على أساس عادل وشفاف”.











