زياد حيدر – السفير
24/ 12/ 2010
«سمعة سوريا في العالم جيدة جدا»، قال الرئيس السوري بشار الأسد ردا على سؤال مجلة «بيلد» الألمانية منذ أيام حول تقييمه لسمعة سوريا، وذلك من منظور غربي. وقد تعززت هذه السمعة بتحرر الدبلوماسية السورية من عقدة «الآن هنا» الشرق أوسطية، والتي جعلت على مدى عقود جل تركيز دمشق منصبا على مسألة الصراع العربي الفلسطيني والتهديد الإسرائيلي، من دون قناعة عملية بضرورة توسيع المنظور نحو الاقتصاد والشراكات التجارية وتعزيز عوامل الاستقرار الاجتماعية والثقافية إلى جانب تلك الاقتصادية والسياسية.
وبالإضافة إلى ذلك بينت مراجعة الحسابات السورية، والوقائع التي واكبتها في السنوات الأخيرة أن أوروبا «سيف من خشب» كما سبق لمسؤول سوري أن ردد سابقا، خصوصا في ضوء حكم إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش والانسياق التام لغالبية الأوروبيين وراء توجهاته المدمرة.
وقد لمعت فكرة مهمة في سياق نظرة دمشق لنفسها ولموقعها الجغرافي، تمثلت في نظرة القيادة السورية إلى الخريطة وتوسيع رقعتها عن سوريا وجوارها إلى المنطقة وجوارها، آخذة بالاعتبار كل «دبابيس» الخريطة التي تشير إلى ثروات الطاقة ومعابرها بين البحور الخمسة التي تشكل احد قلوب العالم الاقتصادية.
وفي ضوء ما تجمع، وبانكماش العلاقات العربية إلى تحالفات صغيرة، وغياب الدور العربي، مع تفاقم الأزمات وتوسعها، كان من المنطقي والضروري أن تنظر دمشق إلى أصدقائها في القارات البعيدة، ولاسيما اللاتينية التي قرر الأسد جمع أربع من دولها في جولة واحدة، كان أبرز ما فيها إظهار التيار الاستقلالي الجديد الذي بدأ يتبلور في تلك القارة، كما في البرازيل وفنزويلا والأرجنتين، ودعم دورها في العالم، في الوقت الذي عكست سوريا، وعبر جولة رئيسها أيضا، قوة منسية تتمثل بالجاليات السورية الكبيرة التي تعيش في تلك البلاد منذ أكثر من مئة عام، وثقلها السياسي والاقتصادي.
ولم يقتصر الأمر على البحث عن الحلفاء المحتملين، أو الأصدقاء المخلصين، بل كسرت الدبلوماسية السورية حاجزا نفسيا مهماً في توجهها نحو دول بعيدة في توجهاتها السياسية عن دمشق كبلغاريا ورومانيا، محملة بالهاجس الاقتصادي المتمثل بربط الشبكات الحيوية بين البحار الخمسة، وذلك من دون الحديث عن الدول التي تحظى سوريا بعلاقات جيدة معها كبيلاروسيا وأوكرانيا وقبرص، وقد بني هذا التوجه على «الحديث في ما هو متفق عليه لا حول ما هو مختلف بشأنه»، وهو توجه سبق أن نسج شبكة إستراتيجية من العلاقات بين سوريا وتركيا، باتت متشابكة لدرجة سيكون من الصعب بعد سنوات الحديث عمّا هو «مختلف بشأنه» بين البلدين.
ولا يفوت السوريون (كما الأتراك أيضا) مناسبة من دون الحديث عن أهمية ما تم تحقيقه بين البلدين، والآفاق التي تمهد لها هذه العلاقة المهمة بين جارين يعرفان تماما إلى أين يمكن أن ينتهي ترابط مصالحهما، وعلاقة ذلك بسياسات المنطقة المستقبلية.
ويمكن القول أن الاختراق الوحيد في هذه البنية كان بالعلاقات التي تقدمت بحذر بين دمشق والرياض، وهي علاقات محاذيرها مرتبطة بملفات إقليمية لا ثنائية، أهمها لبنان وثانيها العراق. وإن كان الثاني تم تجاوزه بحكم الأمر الواقع وغياب الأثر العربي، ومن بعده السعودي في العراق، بقي التركيز الثنائي على لبنان السقيم بخلافاته والمستقبل الغامض الذي تخبئه الملفات المعقدة التي بين أفرقائه. وكان الأساس في العلاقات السعودية السورية لبنانيا هو الاتفاق على حيوية وأولوية الاستقرار في لبنان، مع حرص كل طرف على إبقاء حلفائه في موقع مصان.
ويرى مراقبون أن تقدم العلاقات الثنائية بين البلدين يبقى مرهونا بهذه القضية. وثمة قناعة بأن الجانبين يرغبان في تطويرها، إلا أن تعقيدات كثيرة تقف بالمرصاد بينها العلاقات السعودية الداخلية من جهة، واختلال الثقة بفريق لبناني لدى دمشق، الأمر الذي يبقي هذا الجانب مفتوحا للتغييرات.
وعدا ذلك، تبقى علاقات سوريا بإيران متميزة، وإستراتيجية، كما يستمر الحوار السياسي مع واشنطن بتقطع، ولكن من دون انقطاع. ولا شك أن لبنان سيكون محطة تساؤل بتطوراته على هذا الصعيد، خصوصا في ضوء وضعه أميركيا في مقدمة الاهتمامات وحتى بما يسبق العراق وفقا لدبلوماسيين غربيين.
وإن كان من بين هؤلاء من يرى اختراقا ممكنا في العلاقات الأميركية السورية عبر العملية السلمية، والتي لم ينقطع مساعد المبعوث الأميركي لعملية السلام فريدريك هوف عن طرحها على الجانب السوري بزيارات متعددة لدمشق، إلا أنها تبقى أفكارا غير متبلورة برأي الجانب السوري. إلا أن جمود عامل مؤثر في ملف لا يمنع من العمل عليه كما بات واضحا، ولاسيما في توجهات دمشق الدولية، حيث من المرتقب أن تمد سوريا قنوات اتصالها لدول بعيدة في آسيا وأوروبا الشرقية وبعض الدول الأوروبية الرئيسية الأخرى في العام 2011.
داخليا لا ينكر أحد أن الوتيرة لا تسير بذات السرعة. وما يمكن تسجيله من مسار العام 2010 أن ثمة سياسة عامة بدأت تتضح حيال مواجهة التطرف الديني، والتي تطبق على مستويات مختلفة مدنية واجتماعية وثقافية، مستندة بالأساس لنظام الدولة وتوجهها العلماني. وهو الأمر ذاته الذي يمكن قوله بالنسبة لنشاط المجتمع المدني المنظم في سوريا، والذي بدأ نشاطه يلقى أثرا على الحياة العامة في البلاد. إلا أن تحسن الوضع الاقتصادي عموما، لا يمنع من القول أن تحديات كبيرة تطل برأسها على دمشق، وهي تحديات يفترض أن يواجهها المؤتمر القطري المقبل لحزب البعث، ومن بينها البطالة المرتفعة والفساد وارتفاع معدل الفقر الناتج عن الجفاف، إضافة لما يشكله الانفتاح الاقتصادي على العالم من ضرورات مواجهة تنافسية لا تزال قطاعات الانتاج في سوريا الطرف الأضعف فيها. وهي مواجهة من غير الواضح بعد إن كان ثمة استراتيجية بعيدة المدى تسيرها أم لا.











