تحدث البعض، بعد تسريبات ويكيليكس التي سماها أحد الصحافيين الفرنسيين «أم التسريبات» قياساً على «أم المعارك»، عن عهد جديد للأخبار والديبلوماسية، عن دمقرطة الخبر وديبلوماسية الشفافية.
الحديث عن الشفافية يعني بطبيعة الحال انتهاء عهد الأسرار. غير أن تحديد السر كما لو كان المقابل الضدي للشفافية يبدو لنا متسرعاً نوعاً ما. ذلك أن السر ليس هو ما لا يُعرف قط وما لا يذاع و «يتسرب»، السر ليس هو ما لا ولن يُعرف، وإنما هو ما يُعرف على أنه لا يعرف. فكأن الافتضاح و «الشفافية» جزء من محدداته. كل ما في الأمر أنه حين يفتضح، فكأمر ما كان ينبغي أن يفتضح.
كان ميشيل فوكو قد تحدّث في شأن تحديد خصائص التأويل في الفكر المعاصر عما سمّاه «خبث» العلامة، مبيّناً أن ذلك التأويل لا يقف عند نهاية، وأن العلامة لا تكفّ عن ستر معانيها. أعتقد أن في استطاعتنا أن نذهب أبعد مما وقف عنده المفكر الفرنسي، ونؤكد أن الأمر لا يتعلق فحسب بـ «خبث» العلامة ومراوغتها بل بخبث السياسة بالمعنى العام، أي «خبث» الوضعية البشرية.
لا نعني بذلك في طبيعة الحال دهاء الساسة ومكر الماكرين، لا نعني شراً أخلاقياً، وإنما شراً «أنطولوجياً» وجودياً. حينئذ لن يكون في استطاعتنا أن نتصور درجة صفر الأسرار، ولحظة الشفافية الطلقة.
هذا ما سمح لنا أن نفترض دوماً سراً وراء كل افتضاح، ونتساءل في عنواننا عن السر وراء افتضاح كل تلك الأسرار. معنى ذلك أننا لا نتصور وضعية بشرية من غير اسرار، وأننا نتساءل دوماً أمام الذي يتعرى عن اللباس الذي لا ينفك يتستر به.
من السهل، والحالة هذه، أن نتساءل ما هي الأخبار الشفافة التي سُرّبت مع تلك الأسرار التي «افتضحت»؟
يشجعنا على طرح مثل هذا السؤال ما استخلصه بعض الصحافيين من مفعول ايجابي لعملية الافتضاح تلك. فقد تحدثت «التايمز» عن «غياب سوء النية في أسلوب ادارة السياسة الخارجية الأميركية»، ذلك الغياب الذي يمكن أن يستخلص من قراءة متمعنة لكل ما نشر، كما تحدثت عما خلّفه تسرب بعض الأسرار من رسم صورة مغايرة لأميركا بوش، صورة عن أميركا وقد تخلت عن غطرستها وزعمها فرض الحلول على الآخرين.
في استطاعتي اذاً أن أكشف عما أريده أن ينكشف، حتى وإن بدا أن رياح الأنترنت فضحت أموري وعرّت ما كنت أتدثر به. وقليلون هم من سيتساءلون عن السر وراء افتضاح أسراري.
* كاتب مغربي











