محمد:
ياسين الحاج صالح كان، حسب علمي، أول من حاول إيجاد حل للخروج من حلقة “الأصولية الدينية / الأصولية العلمانية)، أو الشعبوية/ الشعبوية كما يصفها هو، بشكل صريح. قمت بنقد العلمانية العامة في المجتمع السوري والعربي بشكل عام بذات العمق الذي تم به نقد الإسلامية. أوافقك شخصيا أننا نعيش أعادة انتاج للأصولية بأقنعة مختلفة. أذكر أنك طرحت الثقافة والنقد كحل مقترح. لكنك لم تشرح ما قصدت في حدود علمي. إذا كان النقد لم يجد نفعا مع الطرف (الأصولي الديني)، فلماذا تعتقد أنه سيؤثر على “الأصولية العلمانية” كما تصفها؟ ما الذي يجعلك تعتقد أن نقد الشعبوية العلمانية سيكون ذا جدوى؟ جرى نقد شرس للمعتقد الديني في بلادنا .. أيضا تم نقد الايديولوجيا الأصولية .. أُشبع الإسلام السياسي والإسلاميون نقدا، لكن لا يبدو أن لهذا النقد فاعلية تغييرية، خصوصا أنه يعارض الجميع. فلماذا يغير في العلمانية المقابلة؟ هل لأن النقد أتى من الوجه الآخر للعملة؟ وإذا كان كذلك، ما هي صعوبة بناء ثقافة تقف في وجه الاثنين لأجل التغيير؟
ياسين :
هناك في رأيي نقد للأصولية “دخل بالحيط” فكريا وسياسيا وأخلاقيا، لأنو هو نفسه نوع من النقد الأصولي أو الجزئي الذي لا يسائل نفسه ولا يعي ذاته. هذا النوع من النقد يخدم الأصولية من حيث يظن نفسه يعمل على التحرر منها. كثير منه مجرد تعبير عن الكراهية، وكله تقريبا لا يفتح آفاقا فكرية وأخلاقية أرحب، بما في ذلك ما تجده عند مثقفين مكرسين. أرى أننا محتاجون دائما لنقد هذا النقد من أجل إخراج نقد الأصولية من مأزقه، ومحاولة كسب المعركة الروحية والأخلاقية معها .
وأخالفك القول إنه جرى إشباع الإسلام السياسي والإسلاميون نقدا. جرى التعريض بهم، والتعبير بعنف غالبا عن مقتهم، ورفعت في وجوههم ووجوهنا، نحن القراء والمتابعين، مفاهيم وشعارات أفقر بكثير من العتاد الديني الذي ليس مجرد معارف وأفكار، وإنما هو كذلك طقوس وشعائر وإجابات على أسئلة وجودية عسيرة (الأصل، الموت..)، وكذلك انتماء أو إشباع لحاجة الارتباط بجماعة تاريخية أوسع.
ويبدو لي أنه لا شيء يمنعنا من تطوير نقد معارض للإسلامية المعاصرة ومخاصم لتطلعاتها السياسية والاجتماعية والثقافية بكل وضوح، مع كونه أيضا قادرا على إدراجها في سياق تاريخي وعالمي أوسع، ومع العمل على ربط تحجيمها المرغوب بإقامة أوضاع أكثر عدالة وديمقراطية وإنسانية في بلدنا وغيره.
نعم النقد وحده لا يكفي حتى لو كان أوسع أفقا. عليه أن ينفتح على مشروع عملي من أجل مجتمع متحرر وعادل ورفيع الأخلاقية. الأصولية إحدى مشكلاتنا. فلا مبرر لأن نجعلها مشكلتنا الوحيدة أو نرهن كل شيء بها. هذا يناسب ربابنة السلطة والرأسمال الذين يتحكمون بأقدارنا أكثر من ربابنة الدين، والذين لا يتطلع هؤلاء الأخيرين إلى أكثر من محاكاتهم والحلول محلهم، أو الاكتفاء بمشاركتهم.
الثقافة والنقد ضروريان جدا لتوسيع مساحتنا الوجدانية، مساحة العقل والقلب والضمير في كل واحد منا، من أجل أن نكون فاعلين عامين أخلاقيين. هذا ما أحاول منحه اهتماما أكبر في عملي. ينبغي أن نعمل على تغيير أنفسنا للأحسن. وكلما كان عددنا أكبر، وكلما أدخلنا في المجال العام حساسية متجددة وروحا جديدة، كان مرجحا لنصيبنا من المستقبل أن يكون أكبر وأفضل.
صعب؟ ربما. لكن لا بديل عن الانخراط في العمل الآن، والكف عن رهن العمل بثمار عاجلة أو وشيكة.
الدرويش حسن
ما هي برأيك مقومات التغيير في مجتمعنا ؟ أي ما هي العوامل التي يجب أن توجد كي يحصل هذا التغيير؟ و ماهو ترتيبها لديك بحسب الأولوية ؟
ياسين:
السؤال كبير وصعب.
أعطي شخصيا أولوية عملية للتغيير السياسي، أعني تغيير نمط ممارسة السلطة في البلاد وقواعد عمل النظام الحالية، باتجاه إشراك أكبر عدد من السوريين في شأنهم المشترك. ينبغي أن تكون الدولة محترمة لشعبها، محبة له، عاطفة عليه. وعلى رجل السياسة أن ينضبط بأخلاقية المسؤولية، يتحمل مسؤولية أفعاله ويتحسب لآثارها المحتملة على غيره. يلام إن قصر، ولا يشكر إن أجاد، عكس الحال عندنا اليوم.
لكن من حيث الأهمية، الأولوية للتغير الثقافي، تغير الذهنيات وتحلينا بمزيد من الانضباط الفكري والسلوكي والعملي، واكتساب ثقافة عمل جديدة أكثر مبادرة وابتكارا، وظهور عدد أكبر من الأفراد أكثر استقلالا وتغير الذهنية الاجتماعية باتجاه تقبل أو حتى تشجيع استقلال الأفراد واختلافهم. يُعوَّل على شيء كهذا في تراجع تعريف الناس بهوياتهم الدينية، هذا الذي يجر معه الدين إلى الميدان العام بكثافة.
التغيير السياسي أسبق عمليا والتغيير الثقافي أهم تاريخيا، وهو ما من شأنه أن يثبت التغيير السياسي ويقلل من فرص الرجوع عنه أو الانقلاب عليه.
لكن هناك مستوى ثالث لا غنى عنه، التغير الاقتصادي. قيام اقتصاد منتج وديناميكي، مختلف عن الاقتصاد الحكومي أو “المؤمم” وكذلك عن اقتصاد السوق المنفلت الذي يبدو أن السلطات السورية لا ترى غيره بديلا عن الاقتصاد الأوامري. لنتخيل أن دخل الفرد في سورية اليوم فوق عشرة آلاف دولار مثل تركيا (وليس ألفي دولار بالكاد؟). وهذا ليس صعبا. قبل جيل واحد كان دخل الفرد السوري مساويا لنظيره التركي. لو تحقق ذلك ستكون السيكولوجية الجمعية للسوريين أكثر استرخاء، وسيكونون أكثر ثقة بأنفسهم وببعضهم وبالمستقبل.
نحن اليوم نخسر خدمات مركز القيادة العامة في أي مجتمع للتفكير في المشكلات العامة وإنضاج القرارت العامة واتخاذ الإجراءات الهامة وطنيا: الدولة التي هي قائد التغير الاجتماعي والثقافي والسياسي. ما يحد من قدرة الدولة لدينا كليا على التغيير هو أن نخبة السلطة لا تريد أن تتغير هي ذاتها، لذلك تجد أنها مجازفة غير محسوبة أن تبادر إلى تغييرات حساسة اجتماعيا وثقافيا وتشريعيا واقتصاديا وتعليميا. تفضل بقاءها هي على أي شيء آخر، لذلك ستجد نفسه مدفوعة إلى إبقاء كل شيئا آخر على حاله تقريبا، ولن تغير شيئا إلا إذا وجدت أن بقاءه كما هو يهدد فرصها هي في البقاء. لذلك نفتقر إلى استراتيجية تقدم وطنية، ويجري تسيير شؤون البلاد كيفما اتفق مع المثابرة على مراقبة المجتمع المحكوم واستئصال أي روح مبادرة ومستقلة منه كأنها سرطان.
لو كسبنا الدولة كمقر للفاعلية التغييرية العامة لكان التغير الثقافي ذاته أسهل نسبيا، ولكان التغير الاقتصادي أسهلا كثيرا.
dr_milad
عندي فضول لمعرفة رحلته في كلية الطب .. متى بدأت ومتى انتهت … وفي أي جامعة؟ ولماذا لا يعمل في المهنة؟
ياسين:
دخلت كلية الطب بجامعة حلب بالعام الدراسي 1977- 1978. وكنت سنة ثالثة لما اعتقلت عام 1980. رجعت عالكلية بأيار 1997 بعد خروجي من السجن بأقل من خمس شهور. وتخرجت بخريف عام 2000.
لا أشتغل بالطب لأنو الطب العام ما بيعيِّش، وكان عمري أربعين سنة، وإذا بدي اختص يلزمني دخل أكبر شوي، والدولة ما تدفعلي راتب دراسات عليا لأني محروم من الحقوق المدنية. لكن الأهم فعلا إنو ما بحب الشغل بالطب… أفضل الشغل بالثقافة والذي منو.
ZAREFAH:
في صفحتك على الفيسبوك، عبرت عن إستياءك من استخدام اللغة الأنكليزية في التواصل بين شباب اليوم، هل لي أن أعرف رأيك بالموضوع أكثر، وهل ترى أن اللغة العربية بطريقها للزوال والاختفاء؟
ياسين:
كان استيائي موجها ضد التعبير بالانكليزية من قبل أناس يملكون وسائل التعبير بالعربية، وأكثر أو كل مخاطبيهم عرب. تقديري أنو وراء هالممارسة رغبة بالانفصال عن العموم والعوام، إرادة تميز اجتماعي، واستعراض بائس لإمكانيات لو كانت حقيقية ما كان عرضت نفسها بهذا الشكل. يعني اعتراضي “اجتماعي” أكثر مما هو “قومي”. العربية هي اللغة العامة، اللغة التي يتحقق على أساسها وحدها أوسع توحد لمجتمعنا. بالمقابل، اللغة الانكليزية لغة نخبة عندنا (أو ناس عندهم نفسية العبد ويحاولوا يظهروا تميز نخبوي..) لا يتوحد على أساسها مجتمعنا، وتخدم كوسيلة للانفصال النفسي والاجتماعي عن أكثريته.
هذا عدا عن أن هذه الممارسة فيها تصنع وسطحية و”تنفج” (سنوبيزم). تشبه من لا يكف عن الكلام على ماركات أحذيته وقمصانه.
لا أعتقد أن العربية في سبيلها إلى الزوال. العرب في وضع سيء، لذلك لغتهم في وضع سيء. لا شيء يحتم أن يبقى الحال كذلك. لازم نتساءل عن أننا نسارع، انطلاقا من وجود مشكلات صعبة عندنا، إلى الكلام على “الانقراض” أو “الزوال والاختفاء”.. وننفض إيدينا وندير ظهرنا.
وما لازم نقارن العربية بالانكليزية لأنو ليس هناك لغة تقارن اليوم بالانكليزية التي يكتب بها 85% أو أكثر من الخزين المعلوماتي بالعالم. أنا أؤمن أنو رح ننهض، إذا مو بكرة فبعدو. والعربية رح تنهض معانا.
ZAREFAH:
أنا معك ببعض ما طرحته من أفكار في ردك، ولكني …..




















