عندما ذهب الجنوبيون في السودان الى صناديق الاستفتاء حول الوحدة أو الانفصال عن الدولة وتكوين دولة جديدة، لم يكن خلف أي منهم جندي مدجج بالسلاح. ولم يكن هناك مسدس موجه الى الرأس أو خنجر في اتجاه القلب. كانت الجماهير المصطفة في طوابير طويلة تنتظر دورها حرة تماما من كل ضغط خاصة في تلك اللحظة التي يواجه كل فرد منهم ورقة الاقتراع ويتخذ قراره بالانفصال أو البقاء في دولة الوحدة.
وما بدا ملحوظا على شبكة الفضائيات التلفزيونية المختلفة أن الجنوبيين كانوا في حالة من الفرحة والسرور التي تأتي لهؤلاء الذين وصلوا بعد طريق طويل من العنت والظلم الى الانعتاق والوصول الى فجر حالم بدولة ما سعيدة لا يعرف اسمها ولا علمها ولا نشيدها ولا عن ماذا تعبر، أو تجمع أكثر مما تفرق؛ ولكن الأمر كان في أصله وفصله هو الخروج من ظلام دامس الى نهار مضيء بشمس باهرة تجعل مساحات الأمل ممتدة حتى نهاية الكون. لم يكن القرار أمام ورقة الاختيار إسرائيليا ولا اميركيا ولا غربيا ولا شرقيا، ولكنه كان قرار السوداني الجنوبي الذي سوف يحمل قراره على كتفه، وأعباء اختياره على عاتقيه. وما حدث هو أنه يتجه نحو الانفصال بفرحة غامرة وشعور طاغ بالسعادة والأمل.
هكذا تكون الحال عادة عند ميلاد دولة جديدة، بعدها تذهب السكرة وتأتي الفكرة، ويشعر الناس بعد ليلة عرس بأن الصداع، وما هو أكثر، قد ألم بهم، لأن الميلاد الذي ضاع فيه مليونان من الضحايا، وما هو أكثر منهم من الجرحى، وما زاد على ذلك كله من دمار حرب أهلية، وضياع عقود من زمن البناء والتنمية، ربما كان سهلا بالمقارنة بالحياة التي على مولود جديد أن يواجهها بلا مال، ولا مؤسسات، ولا صلات حقيقية وفعلية بين شعب سوف يجد فجأة ما يفرق ولا يجمع.
وسوف تكون الدهشة عظيمة ساعة انتهاء الاهتمام العالمي، واختفاء صور التلفزيون، ونهاية قدوم المؤسسات الدولية، وحالة التبرم التي سوف تجتاح المؤسسات الديبلوماسية لأن العالم لديه ما هو أهم وأكثر إلحاحا من الجماعة السودانية التي لا تعرف أبدا ما تريد، وإذا عرفت فإنها تكون أول من يتملص مما أرادته عند البداية. صحيح أن بعضا من مؤسسات الإغاثة والعون سوف تبقى، وربما حامت أجهزة مخابرات تتابع أحوال الدولة الوليدة والبحث عما إذا كانت ستقيم بعضا من النظام، أو أنها سوف تكون صومال آخر. ولكل هؤلاء جميعا سوف تكون الدولة الجديدة واحدة من قصص اخرى، بعد أن حازت على أكثر من نصيبها من مسرح التاريخ.
قريبا جدا سوف ينفض المولد السوداني، أو على الأقل هذا المشهد الذي نراه منه، والذي تشكله واقعة انفصال الجنوب بعد ستين عاما – 1955 الى 2005 – من الحرب الأهلية أخذت خلالها أشكالا كثيرة حتى بما فيها هدنة طويلة ما بين عامي1971 و1983، عندما أعطي الجنوب حكما ذاتيا في عهد الرئيس جعفر نميري. وفي ما عدا ذلك كان هناك صراع سكتت فيه المدافع أحيانا، واحتدم فيه القتال في معظم الأحيان.
ما جرى على هذا الشكل خلال هذا الزمن الممتد يمثل أزمة الدولة الحديثة في العالم كله منذ ظهرت بعد انتهاء عصر الإمبراطوريات العظمى التي كانت تضم أعراقا وأجناسا وأديانا متعددة كل منها متفرع الى أنواع وبطون ومذاهب. وكانت الدولة الحديثة قادمة من جوف التاريخ لكي تحل معضلة الحكم لجماعة سياسية، بمعنى أن التقاء مصالحها وحياتها ومستقبل أبنائها، يستدعي تلك الصيغة الجديدة من الوحدة السياسية. وكان الاختبار الأعظم لكل وحدة أن تتعامل مع التعددية الواقعة داخلها من خلال واحد من طريقين: الاعتراف بالتعددية وتنظيمها بالسياسة، أو صهر التعددية في بوتقة واحدة عادة ما كانت عنصرا غالبا بالعدد أو بالقوة. وفي الحالتين لم يكن النجاح ممكنا على المدى الطويل ما لم يكن هناك مشروع مشترك للمستقبل يكون واعدا ومبشرا بالحماية والازدهار.
لم ينج أحد من هذا الاختبار، ولم يفلح الاتحاد السوفياتي رغم كل صواريخه النووية ووصوله الى قمر يطل على كل الجمهوريات من حماية وحدة الاتحاد. وكان على الولايات المتحدة أن تلم شتات مستعمرات ما لبثت أن وقعت في حرب أهلية طاحنة كانت تكاليفها مماثلة لتلك التي جرت في السودان ولكن المشروع الاميركي للمستقبل كان هو الذي انتصر في النهاية. وكان على ألمانيا أن تخوض تجربة الانصهار من خلال قومية متطرفة قادت البلاد الى التقسيم ثم كانت الديموقراطية والمشروع الألماني للوحدة الأوروبية هو الذي وحدها مرة اخرى. واختارت سلوفاكيا الانفصال دون حرب أو صراع لكي تلتقي مع تشيكيا بعد ذلك من خلال مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ونجحت إنكلترا في أن تبقي كلا من اسكتلندا وويلز داخل المملكة المتحدة، ولكن أيرلندا بقيت بعيدا وجمهورية أيضا. وانقسمت الهند رغما عنها ونشأت باكستان التي انقسمت الى دولتين، وبقيت الدولة الأم دون انقسام لأنه كان لديها من الشجاعة والمدنية بحيث تجعل سيدة مسلمة رئيسة لمجلس الشيوخ، ومسلما رئيسا للدولة الهندية. وحتى الصين التي هي من أكثر دول العالم تجانسا انقسمت الى دولتين حتى لو كان كل منهما يعلن بوضوح أن هناك صينا واحدة.
الأمثلة كثيرة وموجودة باتساع العالم بأسره، وكلها كانت اختيارات حدثت سلما أو حربا للشعوب والأفراد، وفيها اختبرت الحكمة والإرادة من أجل الوحدة والانفصال. نقول هذا حتى لا تشتد بنا تلك النزعة الهروبية التي تلقي بالمسؤولية في ما حدث على القوى الأجنبية التي قررت وعزمت على تفتيت العالم العربي حتى لا يتحد ويشكل تهديدا للغرب أو لإسرائيل، وكأن العالم العربي بات أكثر قوة من اليابان أو روسيا أو الصين وفيه ثورات علمية وتكنولوجية واقتصادية تستعد لكي تواجه وتصارع.
وببساطة فإن التاريخ العالمي كله يقول إن الوحدة والانفصال هما صناعة محلية صرفة تنسجها وتزرعها قوى محلية ونخب حاكمة ومسيطرة وأفكار ذائعة وثقافات مسيطرة. وليس معنى ذلك أن القوى الخارجية لا تستغل الفرص، فذلك منطق التاريخ أيضا، ولكن دور القوى الخارجية لا يزيد على دور من يستغل ظروف السوق لكي يحصل على أفضل الشروط لمصالحه الخاصة، ولكنه لا يخلق بضاعة، ولا يوجد لا عرضا ولا طلبا. وشواهد السوق هذه تظهر في الحالة السودانية عندما نجد كينيا تؤسس مشروعا يشمل بناء ميناء في مدينة لامو الواقعة على ساحل المحيط الهندي سوف يرتبط بشبكة من الطرق التي تصل الى جنوب السودان باستثمارات متوقعة قدرها نحو 16 مليار دولار، منها 3.5 مليارات سوف تساهم بها قطر في المرحلة الأولى، وذلك في مقابل حصولها على 40 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في كينيا، في الوقت الذي أشارت فيه تقارير الى أن الحكومة الصينية سوف تقوم بتمويل مشروع سكك حديد تربط بين كل من إثيوبيا وجنوب السودان.
لكن المسألة السودانية تظل في جوهرها وأصلها وفصلها سودانية حدث الانفصال فيها نتيجة اختيارات جرت من نظم حكم مختلفة، ومسارات نخبة لم تعرف أبدا المسار الصحيح لبقاء السودان موحدا وحرا ومزدهرا. فلا يستطيع أحد أن ينعى ما جرى في السودان الى الديكتاتورية العسكرية، فقد نعمت الدولة بفترات من الحكم الديموقراطي الذي سرعان ما كان يغرق في الفوضى والفساد. ولا يستطيع أحد أن ينعى ما جرى في السودان الى سوقية النظام الديموقراطي السوداني، فقد كانت أيام الحكم العسكري والديكتاتورية العسكرية غالبة في معظم الأوقات. والغريب في الأمر السوداني ـ ولعله لا غرابة على الإطلاق في دولة عربية ـ أنه سواء كان الحكم عسكريا أو ديموقراطيا أو بين هذا وذاك، فقد كانت هناك وسيلة دائمة لمواجهة المشكلات المستعصية:
أولاها: إلقاء التبعات على المؤامرة الصهيونية الغربية على السودان الذي لديه من الإمكانات ما يجعله دولة عظمى تقض مضاجع القوى الكبرى والعظمى!
وثانيتها: الشكوى من التركيبة السودانية المستعصية من التناقضات الهيكلية التي فرضت صعوبات عديدة أمام تكامل الدولة، لدرجة أجهضت كل المحاولات والجهود والسياسات التي انتهجت للتعامل معها بهدف تقليص حدة تداعياتها السلبية وآثارها الكارثية. بعبارة اخرى، تلقي هذه النظرية المسؤولية عما يحدث الآن في السودان على العامل الجغرافي الذي فرض على السودان هذه الثنائيات المتعددة ما بين مسلم ومسيحي، وغني وفقير، وشمال وجنوب، وغيرها من التمايزات التي ساهمت في تأجيج الصراع المسلح بين الشمال والجنوب، وأبرزها ما يمس تركيبته الاجتماعية والعرقية واللغوية والثقافية. فالمشهد السوداني الداخلي بالغ التعقيد، حيث يوجد بالبلاد نحو 100 لغة و57 اثنية عرقية، و570 قبيلة، وتتكون التركيبة الاثنية السودانية من عنصرين أساسيين هما العنصر المحلي الإفريقي (52%) والعنصر العربي (39%) فضلا عن البجا 6% والأجانب 2% والعرقيات الاخرى 1%، وأصبحت التركيبة الاثنية السودانية توصف بأنها ذات طابع هجين إفريقي عربي.
وثالثتها: العودة الى الدين مخلِّصا ومنقذا، وبينما استندت الفترات الديموقراطية على الطوائف المهدية والخاتمية تحت أسماء مدنية مثل حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي ـ فإن العسكريين ذهبوا مباشرة الى تمثيل الشريعة كما رأوها كما حدث في عهد نميري الذي نقض عقدا كاملا من السلام؛ أو باتخاذ الحاضنة من جماعة الإخوان المسلمين التي قدمت حاضنتها بسخاء كبير كما حدث مع العهد الحالي في السودان.
كان الواقع الأجنبي الانتهازي موجودا في كل أنحاء العالم وفي كل مراحل التاريخ؛ ولم تكن هناك دولة أكثر تعقيدا وتركيبا من الهند حتى بعد أن خرجت باكستان، أو سويسرا ولكن كلا منها وجد طريقه للبقاء والوحدة. ولكن الكثير من دول العالم – وكلها مركبة ومعقدة – وجد طريقه للبقاء ليس من طريق الدين أو الأيديولوجية الشمولية مثل الشيوعية أو النازية فكلها قادت الى التقسيم، ولكن المشروع الوحيد الذي بقي ونجح كان الدولة المدنية الحديثة. الدولة المدنية التي تساوي بين مواطنيها حقا وقولا، وليس شكلا ومنّة؛ والدولة الحديثة التي تربط بين جماعاتها بمشروع عظيم لمستقبل مشترك.
من أضاع السودان كانت النخبة المدنية والعسكرية التي لم تأبه بالتعامل مع مجتمع مركب بقدر قدرتها على الهروب من الواقع الى العالم الخارجي مرة، أو للدين لعله يخلق أمة، أو يقيم دولة. وبالتأكيد كان أمام السودان فرصة خلال فترة الحكم الذاتي التي أتاحت سلاما ووئاما لكي تقام المؤسسات، وتبنى الصناعات، وتربط البلاد بالطرق، وتتوحد الأقاليم بالمصالح والسوق المشتركة. ولكن الفشل في كل ذلك قاد نميري الى تطبيق الشريعة، فقاد جون غارانغ الى الأحراش ليعطي السودان فرصة اخرى لم تعطها حركات التمرد الاخرى ـ أنانيا الأولى والثانية ـ لكي يكون مدنيا وحديثا. ولكن النخبة الديموقراطية هذه المرة كانت هي التي تقاعست، ولم يكن لديها الشجاعة لكي تفعل ما فعله إبراهام لينكولن في الولايات المتحدة الاميركية لكي تجعل الوحدة وبقاء الدولة أعلى من كل القيم الاخرى. فرغم ما هو شائع أن الرجل كان محررا للعبيد، فالحقيقة كانت أنه كان موحدا للدولة، ورغم رفضه الأخلاقي ـ والديني أيضا ـ لمؤسسة العبودية فإنه كان على استعداد للتغاضي عنها في سبيل الوحدة. وعندما أصدر إعلانه لانعتاق العبيد فإن ذلك كان ينطبق فقط على الولايات التي انفصلت عن الاتحاد، أما تلك الولايات التي كانت متحالفة مع الحكومة الاتحادية أو على الحياد في الحرب الأهلية فلم يكن الإعلان منطبقا عليها. وفي النهاية فإن تحرير العبيد جاء نتيجة هزيمة الجنوب في الحرب، والحرب ذاتها، ثم بعد ذلك التعديل الدستوري الثالث عشر الذي حرّم العبودية بعد تسعة عقود من الاستقلال الأميركي.
لكن القضية ليست فقط ضياع جنوب السودان بسبب ما فعله الإخوان المسلمون بالدولة، وخلط الدين بالسياسة؛ فمن ناحية فإن قصة السودان ذاتها لم تنتهِ بعد، ومن ناحية اخرى فإن القصة السودانية هي قصة الغالبية من الدول العربية والإسلامية الحائرة بين الدولة والدين. ومن المدهش والمحزن معا أن نجد تلك الحالة البائسة لمثقفي الإخوان وكتابهم الذين لا يريدون الاعتراف بالدور الذي قامت به جماعتهم في انفصال جنوب السودان، وفي التهديد القائم منهم للشمال، ولا بالدور الذي تقوم به جماعات دينية اخرى اختلط لديها فكر الإخوان بأفكار اخرى أكثر تطرفا، في تدمير الدولة العربية. ويبدو الأمر كما لو أن الجميع وضع عصابة على عينه حتى لا يرى ما يفعله “حزب الله” بلبنان، ولا ما فعله تنظيم “حماس” الذي قدم نموذجا جديدا قوامه تفتيت الدولة حتى قبل قيامها، ولا ما يفعله النظام الإيراني بإيران والعراق، ومن يرد المزيد فعليه أن ينظر في باكستان وأفغانستان لكي يتعلم دروسا بليغة.
الخلاصة ببساطة هي أن الدولة لا تكون إلا مدنية وحديثة، فلا شعب دون مواطنة، ولا دولة دون شعب، ولا شعب دون سوق حرة مشتركة ومترابطة بوسائل الحداثة المعاصرة والمؤسسية القانونية والدستورية. هنا فإن الحديث يتعدى الأمر في السودان وغيره من الدول العربية ويعود مرة اخرى الى مصر حيث المقام والمقصد، والأهم من ذلك كله الإمكانية لوجود دولة مختلفة أثبتت حتى أيام قليلة مضت أن لديها قدرات فائقة على مواجهة الملمات. ولكن القدرات تنفد، والنيات الطيبة أحيانا تكون أسهل الطرق للوصول الى جهنم، والاتفاق على الدولة المدنية الحديثة لا يكفي دون أن يبدأ نسجها وإقامة أعمدتها وترسيخ أسسها وتحقيق التوافق الاجتماعي والسياسي حولها. وإذا كانت هناك نية واضحة لموجة جديدة من الإصلاح الاقتصادي فإن الواجب يقتضي موجة اخرى للإصلاح السياسي. لقد اكتملت الدائرة كما يحدث دائما، وإذا كنا قد بدأنا بالسودان، وطفنا بالعالم، فقد عدنا في النهاية الى مصر.
– القاهرة
“النهار”




















