السفير: 28-1-2011
بذاته، وليس بالمحصلات غير المحسوبة لعمله، كان إقدام محمد بو عزيزي على حرق نفسه فعل حرية فذاً. لقد انتهك الرجل محرماً دينياً قاراً. الشاب الناحل، ذو الست وعشرين سنة، لم يتقصّد ذلك، لكن لا ريب أنه يعرف أن «قتل النفس» محرّم في الإسلام. وحين لم يبال بهذا التحريم، كان يُغلَّب حكمه وانفعاله الشخصي على حكم ديني عتيق وراسخ عبر الأجيال. في هذا بادرته الشجاعة فعل حرية. ولا ينال من هذه الصفة الغياب المرجح، بل المؤكد، لدوافع مضادة للدين أو لأية دواع إيديولوجية محددة. بالعكس، كان من شأن وجود دوافع أو دواع كتلك أن يدرج تضحية بو عزيزي في مخطط عام، فيسلبها شيئا من فرادتها وشخصيتها. «بسبوس» (لقبه العائلي) لم ينو أن يكون «شهيدا» أو قدوة أو مثالا عاما. ولعله لذلك كانت دلالة تضحيات مماثلة لتضحية محمد التونسي في بلدان عربية أخرى مغايرة لدلالة احتراقه. موته هو مدشِّن، قيمته مطلقة، موت من مات منهم مُحاكٍ، يندرج في مخطط أوسع؛ ولعلهم أملوا أن تثير تضحياتهم مسلسلا احتجاجيا كهذا الذي أطلقه موت محمد.




















