‘حكاية كوبري عباس’، كتاب الصديق الكاتب والصحافي المصري سيّد محمود، عمل بديع خاصّ في محتواه، الذي يسعى إلى رصد التاريخ الوطني لواحد من أهمّ جسور القاهرة؛ وخاصّ في طرائق توظيف المادّة التوثيقية، ومنهجية المزج البارع بين الواقعة التاريخية ومفاعيلها السياسية والاجتماعية والثقافية؛ بالرغم من أنّ الكتاب يقع في 144 صفحة فقط. وقد صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة واعدة حقاً سُمّيت ‘حكايات مصر’، وضمّت ‘حكاية ثورة 1919′ للدكتور عماد أبو غازي، و’حكاية عبد الله النديم’ للدكتور عبد المنعم الجميعي، و’جلاّد دنشواي’ للصحافي والمؤرّخ صلاح عيسى، على سبيل الأمثلة.
ورغم تركيز محمود على مختلف أطوار الحركة الطلابية المصرية، بين أعوام 1906 و1946، سنة الإنتفاضة الشهيرة، ودور كوبري عباس في احتضان التظاهرات والمواجهات، إلا أنّ كتابه يتسع ـ بالضرورة المنهجية، بادىء ذي بدء ـ للتعريف بالحركة الوطنية المصرية في تيّاراتها وقواها السياسية الأعرض: من ‘الوفد’ و’الإخوان المسلمين’، إلى ‘مصر الفتاة’ والتنظيمات اليسارية والشيوعية، فضلاً عن مجموعات أخرى صغيرة عُرفت باسم ‘أحزاب الأقلية’، إمّا لأنها كانت في خدمة ‘السراي’، أو لأنّ قاعدتها الجماهيرية المحدودة لم تكن تسمح لها بممارسة تأثير فاعل على الحركة الطلابية.
وثمة، بصفة خاصة، تفاصيل بالغة الدلالة حول الإنحيازات الصريحة، البليغة والمشرّفة، التي انتهجها عدد من كبار مثقفي مصر في تلك الأحقاب، سواء بصفاتهم الشخصية المستقلة عن العمل السياسي المباشر، أو من مواقعهم داخل هذا الحزب أو ذاك. نقرأ، في مثال أوّل، ما كتبه طه حسين تحت عنوان ‘المحاكمة’، في إدانة المسؤولين عن ‘حادث كوبري عباس’، حين اصطدمت قوّات الأمن مع الطلبة، يوم 9 شباط (فبراير) 1946: ‘يجب أن يُقدّم هؤلاء السادة للمحاكمة، وقبل كل شيء أن تعرف الامّة المصرية بالضبط عدد القتلى والجرحى، وإنْ كان قتيل واحد يكفي لمحاكمة ألف وزارة وألف نقراشي’، نسبة إلى محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء آنذاك، أو ‘المتهم البريء’ الذي لم يثبت تماماً ضلوعه في إعطاء الأوامر المباشرة بقمع تظاهرة الطلاب.
أو خذوا، في مثال ثانٍ، ما كتبه الناقد الكبير محمد مندور، عن ‘الهمجية’ في الواقعة ذاتها: ‘الأمّة قد رفعت راية الجهاد، ولن تسقط هذه الراية من يدها بعد اليوم، حتى يُكتب لها النصر’. وفي دفاع مشبوب عن العمّال، ضدّ وصف ‘الدهماء’ الذي كان قد استخدمه إسماعيل صدقي رئيس الوزراء في حقبة أخرى، وامتداح تحالفهم مع الطلاب، كتب مندور: ‘الخطوة جاءت من شباب الجامعة المثقف القلق على مستقبل البلاد، الذين سعوا إلى العمال بدافع ذاتي يريد المغرضون الكاذبون أن يشوّهوا جماله، فيتحدثون عن أيدٍ خفية، وهم لا يكذبون عندئذ فحسب، بل يأثمون أيضاً’.
كذلك يكتشف المرء أنّ أغنية الشيخ إمام/ قصيدة أحمد فؤاد نجم الشهيرة ‘رجعوا التلامذة يا عمّ حمزة للجدّ تاني’، إنما تستلهم أو تستعيد أغنية وضعها الطالب محمود الحفني، في سجن القلعة، خلال ثورة 1919، وتقول: ‘إحنا التلامذة يا عمّ حمزة/ واخدين على العيش الحاف: مستعدّين وطنيين/ ناس طيبين/ دايماً صاحيين/ إحنا التلامذة/ يحيا الوطن’. ويشير سيّد محمود إلى أنّ الأغنية ظلّت من ‘أدبيات العمل الطلابي في كلّ مراحله’. أو، في سياقات أخرى، يكتشف القارىء أنّ بين أبرز الناشطات خلال انتفاضة 1946، والعضو الممثّل للشيوعيين في اللجنة التنفيذية (الائتلافية) العليا، كان ثمة طالبة تُدعى… لطيفة الزيات!
وكنت ـ في أمستردام، خريف 1997 ـ قد التقيت بالأكاديمي والناشط المصري أحمد عبد الله (صاحب العديد من المساهمات الأساسية في التأريخ للحركة الطلابية المصرية، والذي رحل عن عالمنا سنة 2006)، ضمن ندوة نظّمتها الدائرة الثقافية للإتحاد الأوروبي، عنوانها ‘بين العائلة والدولة والشارع: الشباب في شمال أفريقيا، تركيا، والشرق الأوسط’. وكان قد ألقى ورقة عن شباب مصر بعد هزيمة 1967، وتناولت ورقتي ‘جيل حافظ الأسد’ في أوساط شباب سورية المعاصرة؛ ولست أنسى مقدار تلهفه الشخصي، أثناء الاستراحات وسهر الليالي، على معرفة الأدوار التي يمكن أن تُناط بالطلاب السوريين في أي تغيير قادم، من جهة؛ وحسّ الرثاء الحزين الذي كان يطغى على نبرة صوته حين يستعيد انتفاضة كوبري عباس، وانحسار أمثولتها في وجدان طلاب مصر الراهنة، من جهة ثانية.
والحال أنّ قراءة ‘حكاية كوبري عباس’ تكتسب اليوم قيمة راهنة كانت ستشفي غليل الراحل، خاصة إذْ تتعاقب صور انتفاضة شعب مصر في ميادين القاهرة، ولكن أيضاً على امتداد جسورها العديدة. وقد يستردّ المرء، من باطن الذاكرة الشخصية، هذه الحكاية أو تلك، المقترنة بواقعة ما جديرة بالرسوخ في البال، أو بمشهد من طبيعة بصرية او إنسانية استثنائية، أو حتى بلحظات ‘نرفزة’ قصوى جرّاء اختناقات المرور القاهرية الكثيرة. لكنّ مشاهد الحشود البشرية التي غصّت بها الجسور، وما خزّنته كتلها الحجرية والمعدنية من هتافات تُعلي إرادة الشعب بإسقاط النظام، لا تستأنف التاريخ العريق الحافل الذي أجاد سيّد محمود سرده وتركيب عناصره في خلاصات جدلية لامعة، فحسب؛ بل تربط الحاضر بالماضي، وترشق الرباط على أقواس قزح المستقبل… تماماً كما يليق بهذا البلد العظيم، وشعبه المجيد.




















