لم يكذب الرئيس السابق زين العابدين بن علي عندما قال، في آخر كلمة وجهها إلى شعبه (13 الجاري)، إنهم «خدعوني». ولكنه كان قد تأخر جداً في اكتشاف الحقيقة.
وهو ليس أول حاكم مطلق السلطة يُخدع. ولكن القليل من الحكام أصحاب السلطة الكلية هم الذين يكتشفون أن رجالهم خدعوهم. وأقل منهم، بل يندر بينهم، من يدرك أنه هو الذي خدع نفسه عندما ظن أن السلطات الهائلة التي يتيحها له الحكم الفردي هي بين يديه فعلاً، وأنه هو الذي يحكم منفرداً، وأن رجاله في الحلقة الضيقة التي تحيطه ليسوا إلا أدوات لتنفيذ سياسته. فليس سهلاً أن يفهم الحاكم الفرد أن رجاله، الذين يبرعون في إظهار إخلاصهم له واستعدادهم لفدائه بأرواحهم، لا يخلصون إلا لأنفسهم ونفوذهم الذي تضخم وثرواتهم التي تتعاظم.
وليس يسيراً أن يعلم الحاكم الفرد، الذي تلتهب الأيدي من شدة التصفيق له، أنه أقل سلطة وقوة من أي رئيس منتخب في انتخابات حرة لفترة محددة ومحدودة وفي ظل رقابة دقيقة ومساءلة قد تقود إلى محاسبته إذا أخطأ. فالرئيس، الذي يحصل على تفويض غايته ولايتان وتقيده رقابة دستورية صارمة وإعلام حر، يمتلك فعلياً سلطة أكبر من الرئيس الذي لا يخضع لأي رقابة أو محاسبة على رغم هول الصلاحيات المتاحة له في دستور يضعه على هواه ويعدل فيه ما يشاء ويغيره متى يرغب.
فالحاكم المطلق لا يمارس فعلياً الصلاحيات الهائلة المتاحة له كلها طول الوقت لأنها تفوق قدرة البشر. فهو، في بلاد مثل تونس ومصر والجزائر واليمن، يتولى السلطة التنفيذية ويمارسها ويضع السياسة العامة للدولة ويشرف على تنفيذها ويعين الوزير الأول أو رئيس الحكومة ونوابه والوزراء ونوابهم ويعفيهم من مناصبهم ويرأس اجتماعاتهم ويطلب منهم تقارير عن أعمالهم، ويوجههم ويتابع أعمالهم. كما يعين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين ويعزلهم، ويصدر اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين والقرارات المتعلقة بإنشاء المرافق والمصالح العامة وتنظيمها، ويعلن حالة الطوارئ. وتشمل سلطاته أيضاً إرسال مشاريع القوانين إلى البرلمان ليصدرها ضامناً إنجازها في الوقت الذي يريده من خلال الغالبية الآلية المضمونة فيه، وإصدار قرارات تكون لها قوة القوانين في غيابه، وغير ذلك الكثير.
وهذه سلطات تفوق قدرة البشر على ممارستها كلها. فإذا توافرت للرئيس الفرد معرفة موسوعية في مختلف المجالات لم يسبقه أحد إلى مثلها، لا يتيسر له الجهد اللازم للاضطلاع بها. وإذا كان لديه هذا وتلك، وتمكن من الإحاطة بشؤون البلاد جميعها واستيعاب تفاصيلها قاطبة ووجد في نفسه الطاقة اللانهائية والقدرة الجبارة الضروريتين لهذه المهمة، لا يستطيع إيجاد الوقت الكافي لأن صلاحياته الهائلة لا تشمل إضافة ساعة أو أكثر إلى الساعات الأربع والعشرين في اليوم. وفي غياب مؤسسات تقوم بدورها الطبيعي في إدارة شؤون البلاد، يتعين على الرئيس أن يمارس سلطاته اللامحدودة من خلال حلقة ضيقة تحيطه. ويتراوح المدى الذي يبلغه دور هذه الحلقة بين التأثير في نظرة الحاكم إلى الأمور، وبالتالي في سياسته، وممارسة السلطة باسمه.
وقد يكون بين رجاله في الحلقة الضيقة التي تحيطه من يؤدون مهماتهم باعتبارها واجباً عليهم تجاهه. غير أنه لا بد من أن يكون بينهم، أيضاً، من يؤدون هذه المهمات لتحقيق مصالح خاصة بهم وزيادة رقعة نفوذهم وتوسيع نطاق دورهم، وبالتالي مراكمة موارد قوة قد تجعل بعضهم في لحظة معينة سلطة تفوق ما يمارسه الرئيس من الناحية الفعلية، فيصبح كل منهم مركز قوة في النظام. وقد يغري ذلك بعضهم بالانقلاب عليه، فيفقد الثقة حتى في نفسه مثلما حدث للملك الحسن الثاني عقب محاولتي الانقلاب الفاشلتين عامي 1971 و1972. وكان كلامه عن أنه لم يعد يطمئن حتى إلى وسادته التي ينام عليها بالغ الدلالة على هذا المعنى.
ولا يعني ذلك أن الحاكم الكلي للسلطة ضحية، لأنه لا يحب سماع الحقيقة ولا يقبل نصحاً صادقاً ولا تطربه إلا مدائح المنافقين المطبّلين والمزمّرين. فهو الذي يجعل بعض رجاله، وأحياناً نساءه أيضاً مثل حالة بن علي، أقوى منه.
لذلك يجوز القول إن وجود مراكز القوة التي تتمحور حول رئيس الجمهورية في نظام الحكم الفردي المطلق أمر طبيعي، على هذا النحو، بسبب غياب المؤسسات الفاعلة. ولذلك يكون الرئيس في هذا النظام أقل سيطرة على مقاليد الأمور مقارنة بنظيره في نظام ديموقراطي يستمد السلطة فيه من الشعب ويظل معنياً بحال الرأي العام واتجاهاته طول فترة رئاسته، ولا يحتاج إلى من ينقلون إليه ما يحدث في بلده ويخصمون من سلطته بمقدار ما يظن هو أنهم يحافظون عليها أو يضيفون إليها.
والرئيس في النظام الديموقراطي يفهم اتجاهات الرأي العام، ولا يُفاجأ بها فيقف مكسوراً مرتبكاً ومتهدج الصوت بعد فوات الأوان مخاطباً شعبه قائلاً: «أنا فهمتكم… نعم فهمتكم… فهمت الكل… البطّال (العاطل) والمحتاج والسياسي… نعم فهمتكم»، واعداً بتغيير عميق شامل فات أوانه مثلما فعل الرئيس بن علي، ومعتذراً بأنه خُدع.
لقد ظهر بن علي، الذي بدا مثالاً للجبروت طوال 23 عاماً، بلا حول ولا قوة، ليس فقط لأن شعبه انتفض ضده، ولكن أيضاً لأنه كان قد سلّم سلطته ليس فقط إلى رجاله، ولكن أيضاً إلى زوجته التي تبلغ الحكايات الرائجة عنها الآن مبلغ الأساطير.
وعندما اعترف بن علي بأن رجاله خدعوه، كان قد أقال بعضهم فعلا مثل وزيري الداخلية والاتصال وعدد من أبرز مستشاريه. لكنه كان قد صار ضعيفاً معتمداً عليهم دائراً في فلكهم، بخلاف ما يبدو على السطح، ولا سبيل له إلى غيرهم. ولذلك اضطر إلى تدوير بعض من أقالهم، فعيّن وزير الاتصال المقال على سبيل المثال في موقع أحد مستشاريه الذين أعفاهم. وهو نفسه الوزير الذي كان قد زين له أن نظامه الإعلامي الشمولي العتيق يمكن أن يواجه الإعلام الحر الجديد الذي نجح شبان تونس وشاباتها في استخدامه على رغم محاولات حكومته المستميتة غلق سبل النفاذ إلى مواقع «الانترنت» المؤثرة.
لكن إعلام بن علي لم يكن وحده القديم في عالم جديد، بل نظامه الذي لم يدرك إلا في اللحظة الأخيرة أنه تحول من حكم فردي على الورق إلى حكم القلة المتسلطة (الأوليغارشية) التي أصبح قسم فيها «مافيوياً» بالمعنى الحرفي وليس المجازي بفعل طغيان دور زوجته وعائلتها وأتباعها.
“الحياة”




















