ـ 1 ـ
قبل أكثر من عشر سنوات كتبت سلسلة مقالات ناديت فيها بوجوب قيام تيارات سياسية بديلاً لجلّ الأحزاب السياسية القائمة، وأقلّها : التحوّل إلى أشكال جمعوية تخفف القيود عن المعهود، وتفتح الأبواب لوجود آراء مخالفة داخل التنظيم الواحد، ولمَ لا ما يشبه الاتجاهات التي يمكن أن تلتقي في العموميات، وتختلف في غيرها دون خوف من اتهامات مألوفة، معلّبة، أو انشقاقات وتصفيات(مما شكل ظاهرة عامة في جميع التنظيمات السياسية) ، والقبول بما في العضو من آراء وليس كما نريد ونفرض .
ما دفع إلى تلك الأطروحات واقع العمل المعارض، ووصوله إلى الأبواب المسدودة مراراً، وعجزه عن تجاوز الأطر الضيّقة، وأساليب العمل شبه السري، والحلقي، ناهيك عن غلبة الإيديولوجيا والشعارية والسياسي على الجوانب الأخرى، الأمر الذي أسهم في تخثّر أزمات أحزاب المعارضة، وتراجع فعلها وتأثيرها، رغم محاولات البعض الدؤوبة للقيام بعمليات تطوير وإصلاح ملموسين لم تكن الظروف مناسبة لأن تأخذ تلك المحاولات مداها المأمول، فظلت الأحزاب غاطسة في قوقعاتها والزمن يتكدّس خلفها فيحجب إمكانية رؤية المستقبل .
ـ 2 ـ
الثورة المصرية العملاقة، ومن قبلها الانتفاضة التونسية : الفتيل، بيّنتا كم هي المسافة بعيدة بين أحزاب المعارضة وبين القدرة على الفعل، وبين النخب، بكل ألوانها وتلوّناتها وواجباتها الوطنية، وكمّ الجهل بوعي، وثقافة، ومحرّكات، وأحلام الأجيال المتعاقبة، وهول المسافة بين الطرفين.. حتى إذا ما جاء الزالزال على يد هؤلاء الشباب حقاً، وبشكل مفاجئ للجميع، وجدت المعارضة نفسها في ذيل ما يجري، فراح كثيرها يلهث للحاق، أو التصدّر وادعاء الزرع للقطاف، والبعض سارع صباغة الشعر والمشاعر للظهور بموقع الفاعل، المتشبب الذي لا يعترف بفعل الزمن وطيّاته .
مجرى التغيير السائر بقوة في عموم أرجاء الوطن العربي يدلل بالملموس أن فعل التغيير يستلزم التغيير الشامل في أطر وسياسات وأساليب ونهج قوى المعارضة المرسّمة في أحزابها العتيقة، والانقلاب الشجاع على مألوفاتها إذا ما أرادت فعلاً أن تكون جزءاً من العملية الجارية، ناهيك عن تنظيرات القيادة، والمسؤولية في مراحل ما بعد الانتصار، وفي تأسيس الدولة الديمقراطية المدنية .
كما أن ثورة الشباب تفرض على النخب، والأقلام، والمحللين(بكل صنوفهم) التوقف طويلاً مع ذواتهم لإدراك موقعهم من المجتمع، وبأمل النزول من أبراجهم التنظيرية إلى الأرض علّهم يلتحمون بالأجيال الجديدة فيتشرّبون الواقعية، ويتعلمون نهج التعاطي مع الانسداد، والاستبداد المكين .
ـ 3 ـ
ولأن أحلامنا لم تعد طوبائية، ولأن شباب تونس، وزلزال مصر الكبير يفتحا شهيتنا (المشروعة) لشيء مشابه في قطرنا الحبيب(ولمَ لا).. فإن قوى المعارضة السورية بكل مشاربها، وأطيافها : القديم منها، والذي ولّدته السنوات الأخيرة،والإرهاصات المتناوبة هنا وهناك.. مدعوة الآن، وليس غداً للقيام بمراجعة شاملة أشبه بالانقلاب على معهودها . مراجعة شجاعة تغادر فيها فعل التآكل والذاتية، والفرقة والتشتت، واستسهال تحميل الآخر المسؤولية، أو التدرّع بالظروف غير المساعدة .
أعرف أن مثل ذلك ليس سهلاً، ولا يتمّ بكبسة زر، خصوصا وأن موانع ذاتية، وأخرى موضوعية أشدّ وأكثر ضراوة، وتصلّداً تقف عوائق جدّية، لكن لا خيارات أخرى أمامها لتكون بمستوى اللحظة التاريخية، وبمستوى آمال شبابنا التوّاق لفعل التغيير الشامل .
إن أسباباً كثيرة منعت ولادة تيارات سياسية، عريضة، شعبية، في مقدمها طبيعة النظام الاستبدادي، الأمني المكين، وما أحدثه من رعب وتجويف وتجريف، وما يقوم به من خلط للأوراق والمفاهيم .
لكن، ورغم ذلك، فإن تشبّث أحزاب المعارضة بقوالبها الثابتة، ورباضها في مألوفها.. أسهم، بدوره، في خلو ساحتنا من ذلك.. الأمر الذي يلقي بأعباء ثقيلة على الأجيال الجديدة كي تتحمّل أساساً أثقال فعل عقود الاستبداد، وأن ترتكز على أدواتها الذاتية منطلقاً، بانتظار أن يلتفّ الشعب حولها، وأن تفتح الطريق لمساهمات مختلفة .
ـ 4 ـ
من المفهوم وتونس علّقت الجرس، ومصر قرعته بدوّي يقرع رؤوس الشعوب العربية، أن يبدأ نوع من حراك متعدد الوجوه، والأشكال في قطرنا الحبيب، وجالياتنا المهاجرة، فنرى، ونسمع عديد الدعوات والمحاولات المخلوطة بالحلم والأمنيات . بالإمكانية والمغالاة، وببعض الخالوطة التي تتسم بها بعض(المبادرات) الخارجية المسلوقة، وحتى المراهقة، وسط بدايات متعددة مبشّرة تمثل اليوم جنينات متفرّقة لتشكّل كرة ثلج الشعب السوري ..
وبقدر ما هو مطلوب من كل سوري مهجّر، وطامح بوطن حرّ للجميع أن يقوم بجهد التحضير لغد ننتظر أن يأتي في زمانه الممكن، فإن بعض الدعوات المستعجلة، وحتى المحمومة التي تصدر من هنا وهناك، وبغض النظر عن نوايا وصدق وخلفيات أصحابها فإنها يمكن أن ترتدّ سلباً على الجميع، وأن تؤشر إلى مستوى الوعي الغوغائي، والمراهق لأصحابها، وإسقاط الرغبات المحمومة على أفق لم يتبلور بعد، وربما قطع الطريق على عمل حقيقي يعتمل اليوم في نفوس مئات آلاف شبابنا التوّاقين لفعل التغيير الشامل .
ـ 5 ـ
الدرس المصري الكبير، ومن قبله درس تونس الشرارة، أكّد أن الشباب هم الفتيل والجذوة، وأن الشعب هو الصانع والدرع، وأن الديمقراطية، بعموميتها هي الجامع، وأنه بقدر ما تتم المحورة حول أهداف وشعارات عامة لا لون سياسي خاص لها، ولا إيديولوجي مرسّم بقدر ما تشكل القواسم المشتركة لجوع الشعب بمختلف أطيافه .
إن معركتنا مع الاستبداد هي معركة الحريات العامة أولاً . معركة التغيير لإقامة النظام، فالدولة الديمقراطية . دولة المواطنة والحريات العامة للجميع، دولة المساواة أمام القانون لكل مكوّنات الشعب السياسية والطبقية والدينية والعرقية والجنسية وغيرها .
وأن الفيصل والحكم هي الانتخابات الحرّة، وهي صناديق الاقتراع حين يقرر شعبنا بإرادته الواعية شكل نظامه الذي يختار، وممثليه في مجلس شعب سيّد، والاتجاه، والبرنامج السياسي .
إن الدعوة لتفعيل الأشكال الجبهوية القائمة(خاصة إعلان دمشق، باعتباره أوسعها) بحيث تضمّ كافة أطياف وفعاليات شعبنا، أو إنهاض شكل مجموعي جديد يستجيب للقواسم العامة العريضة النابعة من المفهوم المركزي : الديمقراطية..هي ما يفترض أن تكون الشغل الشاغل للسوريين المسيسين هذه المرحلة، خاصة سوريي الخارج الذين يمتلكون هوامش من الحرية غير متاحة لشعبنا بالداخل.. دون شطط، وبعيداً عن انتهازية لحظية، أو حالة انفعالية متسرّعة . ولهذا فإن كثرة الدعوات ل”مبادرة” هنا، وبيان غرائبي هناك، وشعارات منفلتة من فهم الواقع السوري.. إنما تصبّ في عمليات التذرية والتنتيف، وضعضعة هدف وجود حشد جهود الجميع نحو الهدف المركزي للمرحلة ـ التغيير، وإقامة النظام الديمقراطي .
ـ 6 ـ
إن مفاعلات الوضع السوري شديدة التداخل نتيجة مجموعة عوامل متراكبة، وراكبة عليه، بما يجعل عملية البداية بحاجة إلى أدواتها القادرة على التضحية، والعطاء، والديمومة، وهو ما يستدعي من (الخارج) السوري تقديم العون للتسريع في عملية إنضاج اللحظة المناسبة التي سيقررها، بالتأكيد، شبابنا في الداخل في وقت ما، وعبر شرارة لا أحد يدري كيف ومتى تكون ..وحينها قد تفاجئ الأحداث الجميع، فيصبح حتميا القيام بفعل اللهاث ..
الجزائر 12/ 2/ 2011











