رام الله – من محمد هواش:
افسح رحيل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك المجال امام افق عربي جديد، وربما تاريخ جديد للمنطقة . فمصر ديموقراطية مدنية وهذه وجهتها حتى الآن، هي مفجر طاقة هائلة، في منطقة فراغ سار بعض ابنائها واحزابها ومقاومتها نحو نماذج مجاورة لم تعطٍ المواطن طمأنينة قدر ما زرعت في نفسه القلق والخوف.
مصر ديموقراطية لا يمكن الاّ ان تعود عاصمة العرب، كما كانت في العهد الناصري لا عاصمة مصر فقط.
وفي عاصمة العرب الديموقراطية وهذا أمل، لن تكون القضية الفلسطينية مجرد ملف يحمله رجل مصري حصيف يناقشه مع ذوي الشأن ويحرص على ان لا يفلت من يديه او يقع في حضن منافسين من هنا او هناك، بل ربما ستكون احدى جبهات عدة تلقي على كاهل مصر مسؤولية ادارة جديدة للقضية الفلسطينية مع الفلسطينيين وممثليهم، وان تنزع من ايديهم رايات الانقسام والحزبية والفصائلية، وهو درس ثورة مصر الاول للفلسطينيين، اذ بثورة مدنية شعبية سلمية من دون شعار فصائلي او حزبي او عقائدي تحررت مصر من الاستبداد السلطوي واستبداد العصبيات من كل صنف وفتحت طريق تطورها . وهذا قد يلهم الفلسطينيين؛ كي يهجروا العصبيات الفصائلية الجهوية والعقائدية الى خيارات سياسية ووطنية عملية تقربهم من اهدافهم في انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.
ان مصر بعدما اكتشفت نفسها وقوتها وتحررت بها وحررت معها العرب من اوهام القوة الزائفة للسلطوية والاستبداد، تجعل الفلسطينيين اكثر انفتاحاً على خيارات عربية كانت عاملاً اساسياً في انطلاق ثورتهم المعاصرة عام 1965 عندما كانت المنطقة العربية ودولها وشعوبها تحت تأثير الخطاب القومي العربي للرئيس المصري جمال عبد الناصر وحقبته. وكانت عمقاً حقيقياً لقضيتهم، قبل ان يُحشروا في خيار قُطْري اضطراري اجبرهم عليه خوفهم الشديد من ان تلغيهم شعارات قومية، لا مشاريع قومية عربية حقيقية في اتجاهين. وعلى هذا الحبل المشدود تأرجحت علاقات الفلسطينيين سابقاً مع دول مثل العراق وسوريا وليبيا وبدرجة أقل مع الجزائر. وكانت مصر استثناء على دول قلدت نموذجها للدولة . فلم تحاول فرض رؤيتها وخياراتها السياسية على الفلسطينيين، ولم تؤلف لهم فصيلاً فلسطينياً في منظمة التحرير ينافس على زعامتها، بل كانت راعياً لشرعيتهم في المحافل العربية والدولية.
وقدرة ثورة مصر الجديدة على انجاز تحولها الديموقراطي ربما يحرر الفلسطينيين من قلق التهميش والالحاق السياسي العربي بحجج وذرائع قومية.
الفلسطينيون الشباب فرحوا برحيل مبارك في شوارع رام الله وغزة واستلهموا نصف شعار المصريين “الشعب يريد اسقاط النظام”، فرفعوا شعار “الشعب يريد اسقاط الانقسام”. لكن من السابق لأوانه بعد، تحول هذا الشعار، الى برنامج عمل يومي للفلسطينيين في غزة ورام الله قبل ان تصل تداعيات الزلزال المصري وقبله التونسي وتفعل مفاعيلها. ولا يتوقع الفلسطينيون أن تكون بعيدة، ولكن ملامحها ووجهتها غير معروفة. وهناك اكثر من سيناريو
ايضا، تحدثت اسرائيل عن احدها بأن توقعت ان يتوجه الفلسطينيون باعداد واسعة من دون سلاح رجالاً ونساءً واولاداً وشيوخاً الى محيط المستوطنات مطالبين سكانها اليهود بالرحيل. كما يتحدث فلسطينيون في غزة عن سيناريو مشابه للمشهد المصري في رام الله ضد السلطة الفلسطينية. بينما يتحدث شبان فلسطينيون في رام الله عن السيناريو نفسه في غزة بهدف انهاء الانقسام.
الفلسطينيون قد يتضررون موقتاً من انشغال مصر بترجمة ثورتها الى واقع ديموقراطي وانتخابات ودستور واصلاحات في بنية الدولة والسياسات الداخلية، ومن غير الواقعي الطلب من مصر ان تقدم في سلم اولوياتها قضية خارجية على اوضاعها الداخلية. مع ذلك فالفلسطينيون يربحون كثيراً من تحقيق احلام صارت غير ممنوعة اليوم. فمصر القوية بديموقراطيتها ستكون راعية عربية حقيقية للقضية الفلسطينية. وعندما تكون مصر قوية لن يخشى الفلسطينيون على مشروعهم وارجاء بعض الاعمال السياسية والديبلوماسية التي كانت جزءا من خططهم لانهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية.
القوة الاخلاقية للثورة المصرية بلا حزبيتها ولا عقائديتها وسلميتها تختزن قوة ايجابية اكبر بكثير من مجرد ادارة ملف فلسطين . قرار السلطة الفلسطينية امس اجراء انتخابات رئاسية واشتراعية قبل شهر ايلول المقبل يفتح الباب لـ”اسقاط الانقسام” بهذه القوة الاخلاقية. لا بالعصبيات من اي نوع. والأمل ان تساعد هذه القوة الجديدة مصر على تحقيق هذا الهدف.
“النهار”











