واشنطن – من هشام ملحم:
التوقعات هائلة. والتحديات ضخمة. واللحظة تاريخية بالفعل ولا مثيل لها حتى في أعرق ديموقراطية في العالم تفخر بأنها وجدت دون الكمال وبخطيئة أصلية اسمها العبودية، لكنها لا تزال تسير على الطريق لتحقيق الكمال. عندما يقف الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما ظهر اليوم بعد ادائه اليمين ليصير الرئيس الرابع والاربعين للولايات المتحدة، وهو في مواجهة نصب الرئيس ابراهام لينكولن ليلقي خطاب تنصيبه، سيحاول استعادة الماضي وأصداء الكلمات المؤثرة وحتى الشعرية لرجال عظام وفصحاء سبقوه امثال جيفرسون ولينكولن وروزفلت وكينيدي، لينطلق منها وليحدد معنى هذه اللحظة التاريخية وليستشرف المستقبل. الرجل الذي اكتشفه الاميركيون في 2004 لدى إلقائه خطاباً بليغاً في المؤتمر الوطني للحزب الديموقراطي، اثبت بكتابيه ان لديه حساً أدبياً وتاريخياً وملكة للغة الانكليزية تذّكر بعض المراقبين بموهبة لينكولن، الذي كان يجمع بين كمال لغة شكسبير وجلالها واللغة الحوارية اليومية.
ويدرك اوباما انه لم يحصل في تاريخ اميركا ان ترقب الاميركيون والعالم كله كلمة تنصيب أول رئيس اميركي ذي أصل افريقي، بعد 40 سنة من اغتيال زعيم حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ، و144 سنة من اغتيال لينكولن، وفيما يرث حربين مرهقتين، وأزمة اقتصادية خانقة. صحيح ان أميركا خاضت حروباً أشرس وأقسى من حربي العراق وأفغانستان، وصحيح ان "الكساد الاقتصادي الكبير" في الثلاثينات من القرن الماضي كان أسوأ بكثير من الأزمة الراهنة، لكن لم يحصل أن واجهت اميركا هذه التحديات في وقت واحد بعدما وصلت الى ذروة نفوذها لتجد ان ثقتها بالمستقبل قد تزعزعت وقيادتها الدولية في تراجع. ولذلك سوف يسمع العالم ويقرأ ويدرس بعناية خطابه الذي يفترض فيه ان يرسم خريطة طريق تخرج البلاد من احباطها وشكوكها.
واوباما يدرك ان خطاب التنصيب سيحدد سياسته في أعين الأميركيين والعالم كله. وحتى ابنة اوباما ملية، البالغة من العمر 10 سنين ساهمت في الضغوط على والدها لالقاء خطاب تاريخي، حين قالت له بعد زيارة لنصب لينكولن وقراءة خطاب تنصيب لينكولن الثاني والقصير: " يجب ان يكون خطابك كأول رئيس أميركي ذي أصل افريقي جيداً".(يوم الاحد وبعدما القى كلمة قصيرة في الحفلة الموسيقية امام نصب لينكولن، سأل ملية: "ما رأيك؟"، فأجابت "جيد")
ويقول أوباما إنه سيحاول أن يحدد معنى اللحظة التي تعيشها أميركا الان، في مواجهة "تقاطع طرق" مهم، وانه سيحاول ان يشيع في نفوس الاميركيين الثقة بأن اتخاذ القرارات الصحيحة بعد التضحيات المطلوبة، فإن اميركا ستعود مجدداً لتصير منارة للعالم. والتحدي امام اوباما هو ان يقول للاميركيين، وانهم يواجهون مشاكل ضخمة وخصوصاً اقتصادية تتطلب معالجة ملحة وخلاقة، وان يعبئهم لمواجهة الصعوبات، ولكن مع التأكيد ان الاميركيين يبدعون عندما يكونون في مواجهة الصعاب الداخلية او الخارجية ويرتفعون دوماً، كما يبين تاريخهم، الى مستوى التحدي.
وسواء اذا كانت المقارنة منصفة ام لم تكن، فإن خطاب التنصيب للرئيس اوباما يشبه خطب لينكولن، وفرانكلين ديلانو روزفلت، وخصوصاً انه يرى في الاول اخاً روحياً وبطلاً وطنياً اعتق العبيد، وفي الثاني نموذجاً قيادياً خلاقاً، ولان لينكولن وروزفلت واجها ظروفاً مماثلة: توأمي الحرب والكساد الاقتصادي. ويقول اوباما انه يعود دوماً الى قراءة خطب لينكولن وكتاباته، ويعترف بأن خطاب تنصيب لينكولن الثاني، بشاعريته وعمقه وايجازه، يجعله يشعر بـ"الرهبة". وتجمع اوباما ولينكولن اشياء كثيرة بعضها سطحي وبعضها جوهري. كلاهما مثلاً من ولاية ايلينوي، ولكليهما خدمة محدودة في الكونغرس قبل انتخابهما للرئاسة، ولا خبرة عسكرية لهما حين قادا البلاد في زمن الحرب. وهما يلتقيان على حب اللغة الادبية وتقدير الاعمال الكلاسيكية والشعر، واهمية الكلمة وسحرها في فن السياسة وسيلة للالهام والوحي والتعبئة واستنهاض جوهر الامة وروحها في الازمنة المظلمة. ما الذي يمكن ان يقوله لينكولن لو استمع الى خطاب تنصيب اوباما؟ لا احد يعرف، لكن اوباما الديموقراطي يرى نفسه عندما ينظر الى الايقونة الجمهورية المسماة لينكولن.
وسوف يقارن الاميركيون وغيرهم اليوم ولاحقاً صدى كلمات لينكولن في 1865 وهو يحاول بلسمة جروح وطن مزّق نفسه قائلاً: "دعونا نحاول دون ضغينة تجاه احد، وبرأفة تجاه الجميع، وبصلابة اقتناعنا بالحق… دعونا نسعى الى احلال الحق"، بكلمات اوباما، الذي استخدم كلمات مؤثرة وقوية خلال حملته الانتخابية في مواجهة مخلفات العبء العنصري وترسباته الباقية في المجتمع الاميركي. وسوف يقارن الاميركيون كلمات روزفلت وصوته المجلجل وهو يخاطب الاميركيين في احلك لحظات كسادهم الاقتصادي في 1933: "الشيء الوحيد الذي يجب ان نخافه هو الخوف ذاته". كما سيقارن خطاب اوباما بخطاب تنصيب الرئيس جون ف. كينيدي في 1961 خلال الحرب الباردة حين قال ان اميركا سوف "تدفع اي ثمن وتتحمل اي عبء" باسم الدفاع عن الحرية، او قوله "لا تسأل ما الذي سيقدمه لك بلدك، بل اسأل ما الذي يمكن ان تفعله انت لبلدك" (وهي عبارة استوحاها أو اقتبسها مع بعض التحوير من جبران خليل جبران، اما كينيدي شخصياً واما كاتب خطابه ثيودور سورينسون). وكان جبران قد كتب في مقال عنوانه "الحدود الجديدة" في 1925: "هل انت سياسي يسأل ما الذي يمكن ان يفعله بلدك من اجلك، او متحمس يسأل ما الذي يمكن ان تفعله انت لبلدك".
وخلال تاريخ الجمهورية الاميركية ألقى الرؤساء الذين سبقوا اوباما 56 خطاباً تنصيبياً، يرى المؤرخون ان نحو سبعة او ثمانية منها متميزة وتاريخية. وليس من المبالغة القول، قبل خطاب اوباما، ان الرئيس الرابع والاربعين سيحضر لنفسه مكاناً متميزاً خطيباً ملهماً ونحّاتاً لغوياً بليغاً في صرح الرئاسة الاميركية وسيكون مكانه قريباً من ملهمه الفريد لينكولن وليس بالضرورة مساوياً له.
"النهار"




















