نصير الأسعد
مع توقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وفي إنتظار عودة القطاع إلى الحرية في رحاب شرعية فلسطينية موحدة تجسد وحدة الشعب ووحدة الدولة الفلسطينية، ثمة أمور رئيسية بحاجة إلى "تظهير" في هذه المرحلة المباشرة.
"تجربة غزة" بمعايير ثلاثة
المسألةُ الأولى، هي أن على "المعنيين" ـ كلّهم ـ أن يعيدوا النظر بإستراتيجية "المقاومة العسكرية"، خاصة إذ يعتمدونها "شكلاً" وحيداً للنضال ومن خارج الإجماع والشرعية الوطنيَين.
فـ"تجربة غزة" لا تُقارب على نحو ما جرى في الساعات الماضية بالحديث عن الخسائر في صفوف هذا "الفصيل المسلح" أو ذاك مقارنة بالخسائر في صفوف جيش العدو. إن "تجربة غزة" تُقارب بمعايير ثلاثة رئيسية. معيار أن "المقاومة العسكرية" ـ أي إمتلاك السلاح وإستخدامه ـ لم تكن "عامل ردع" للعدوان، أي لم تمنع حصوله. ومعيار أنها لم تكن "متكافئة" في الميدان، أي أنها لم تستطع صد العدوان. ومعيار أنها كشفت المدنيين بشكل "ذريع" و"مريع" فنزلت فيهم مأساة إنسانية كبرى. ولا مبالغة في القول إن المعيار الأخير هو الأهم، ولا بد في التقويم أن يُفرد حيز كبير لـ"الإنسان" و"قيمة الإنسان"، أي أن تأخذ الخيارات "النضالية" الإنسان في الإعتبار.
بين غزة ولبنان 2006: الفارق والمشترك
صحيح أن "تجربة غزة" كانت "فاقعة" بالمقارنة مع تجربة لبنان في حرب تموز 2006. لكن إعادة النظر في إستراتيجية "المقاومة العسكرية" مطلوبة في "الحالتين" وغيرهما.
في 2006، كان ثمة "صورة" ساهمت في "عدم إنتصار" إسرائيل وفي "التباس إنتصار" المقاومة. والمقصود هنا "صورة" الكرّ والفرّ بين جيش العدو والمقاومة في عدد من بلدات الجنوب وقراه، "صورة" إصابة المقاومة لبارجة إسرائيلية، "صورة" الخسائر الظاهرة للعسكر الإسرائيلي و"صورة" الإلتحامات في غير مكان من الميدان..
في غزة لم تظهر هذه "الصورة". والمسألة ليست أبداً مسألة قدرات بطولية هنا لا مثيل لها هناك. ولا هي مسألة تضحية وإستعداد للتضحية. المسألة تتعلق بـ"طبيعة" الأرض وطبيعة العمق، وبـ"الإمكانات". لكن على مستوى المعايير "الحاكمة"، أي المعايير التي تفرض نفسها في مجال التقويم وإعادة النظر، لا يمكن إغفال "التقاطع" بين التجربتين لجهة أن "المقاومة المسلحة" لم تكن "عامل ردع" للعدوان الإسرائيلي ولم تكن "مانعة" لتعرّض المدنيين ولتدمير البنى على نطاق واسع.
"الممانعة": القتال حتى آخر فلسطيني ولبناني!
والمسألة الثانية، هي أن التجربة العربية السياسية خلال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة ظهّرت بما لا يدع مجالاً للشك حقيقة أن ما يسمّى "الممانعة" على الصعيد الرسمي العربي و"همٌ" بل "أكذوبة". ليس فقط لم يقدم من يدّعون "الممانعة" مشروعاً سياسياً بديلاً من المبادرة العربية للسلام، بل راح متحدثون باسم "الممانعة" يعلنون أن بديلهم هو دعم "المقاومات" حيث هي موجودة، أي "القتال بالواسطة". وهكذا، سارع النظام السوري مثلاً إلى تبديد أي إلتباس قد يكون نجم عن كلامه في الدوحة والذي ورد فيه إن "ما أخذ بالقوة لا يُستردّ بغير القوة"، فإذا بـ"التوضيحات" تنهال بأن المقصود ليس فتح جبهة الجولان ولا الإستغناء عن القوات الدولية في الهضبة، بل "القتال حتى آخر فلسطيني ولبناني"!
تجربة 3 أسابيع: الإجماع اللبناني "العملي"
أما المسألة الثالثة فلبنانية بحتة.
خلال الأسابيع الثلاثة التي إستغرقها العدوان الإسرائيلي على غزة، لم يكن ثمة "شكلان" للتضامن اللبناني مع الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية. إلتزم الفرقاء اللبنانيون كافة، إلى جانب الدولة، بالتضامن السياسي والإنساني. ولم يُبادر "حزب الله" إلى عمل عسكري معيّن عبر فتح جبهة الجنوب اللبناني، مثبّتاً المعادلة المستمرة منذ 14 آب 2006 تاريخ توقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، أي منذ عامين ونصف العام.
أكثر من ذلك، برز إجماع على رفض تعريض القرار الدولي 1701 "السائد" في الجنوب لأي خطر أو إختبار خطير، وعلى الإلتزام بكامل مندرجاته. وقيمة هذا الإجماع انه تم تأكيده في ظرف "حرج" و"قلِق"، أي انه لم يكن إجماعاً سياسياً نظرياً فقط بل كان "عملياً" أيضاً.
سياسة التحييد والـ1701
ما المقصود إستنتاجه مما تقدّم إستعراضاً للمسائل الثلاث؟
بالنسبة إلى لبنان أولاً، وإذا ما جرى ضم المسألة الاولى المتعلقة بإعادة النظر بـ"المقاومة المسلحة" إلى المسألة الثالثة المتعلقة بتجربة لبنان خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة لجهة التضامن السياسي مع غزة والحرص على القرار 1701، فإن ما ينبغي قوله هو أن "الإستراتيجية الدفاعية" باتت "محسومة" إلى حد كبير، أو هي أقرب من أي يوم مضى إلى أن تكون "محسومة" فعلاً. فـ"الإستراتيجية الدفاعية" هي بالضبط السياسة اللبنانية التي إعتمدت خلال أسابيع العدوان الإسرائيلي على غزة، أي سياسة تحييد لبنان عسكرياً والإلتزام بالقرار 1701 و"الإحتماء" به منعاً لأي عدوان إسرائيلي، وهي سياسة الإلتفاف حول الدولة.
المبادرة العربية مجدداً..وإخراج إيران
أما بالنسبة إلى لبنان والمنطقة ثانياً، وأخذاً في الإعتبار حقيقة ان ليس ثمة "ممانعة" على الصعيد العربي الرسمي، فإن ما يقتضي تشديداً هو ما أكدته قمّة الكويت أمس تأسيساً على كلمتي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس المصري حسني مبارك، لجهة إعطاء فرصة "غير مفتوحة" للمبادرة العربية لكن بـ"شرط" الإنخراط العربي "الشامل" في إطارها لإعطائها قوة وفرضها على أبواب مرحلة دولية جديدة أظهرت كل المقدمات أن ثمة توافقاً دولياً على جعل العام الجاري 2009 عاماً حاسماً للسلام في المنطقة، وعلى ضرورة إنطلاق السلام من المبادرة العربية كما دل على ذلك القرار الدولي 1860، وذلك تزامناً مع المعنى الأهمّ للقمّة أمس ألا وهو إخراج إيران من "البيت العربيَ".




















