فوجئت المعلمة لدى دخولها الصف ، وسماعها صوتَ الأطفال الذين لم يكملوا الخامسة من العمر …. يرددون خلف أحدهم النشيد الوطني العربي الذي حفظوه من الفضائيات العربية :
– ” الشعبُ يريد : إسقاط النظام “
فما كان منها إلا أن أبلغت المديرة على الفور ، التي اتصلت بدورها بأهالي الأطفال لوضع حد لما يحدث …. الكل أصبح يعرف ماذا يريد….
عرفت الشعوب العربية ولو متأخرة ، وهي التي تعاني نفس الأمراض مجتمعة …. ماذا تريد ….
وكذلك الأنظمة التي تتحلى بذات الصفات ، عرفت أيضاً …. ماذا تريد ….
فكما الشعوب العربية تريد إسقاط أنظمتها ، فالأنظمة بدورها تريد إسقاط شعوبها وإذلالها …. وسحقها …. لأن الشعوب برأيها كالنابض ، إذا ما أزاحت نعالها عنه …. انتفض في وجهها ….
استيقظ الشارع العربي بعد صمتٍ طويل ، وليس مهماً مَنْ وراء إيقاظه …. المهم أنه استيقظ …. والمهم أيضاً أنه يدرك خطورة هذا الإستيقاظ . إذا ما قبل بالفتات واكتفى بإسقاط رأس النظام ، وأبقى على النظام ….
لا بدَّ هنا من وقفة ، لتفسير ما جرى ويجري وسيجري ….
إن ما حققه شعب تونس ومن بعده شعب مصر ، يعتبر حتى الآن خطوة مهمة على طريق التغيير ، سواء بشكل عفوي من قبل الشعب ذاته …. أو بدافع من قبل الجهات المعارضة للأنظمة …. أو بتحريض وتدريب ودعم خارجي لا محدود ، بغية تحقيق ما عجز عن تحقيقه في أماكن وظروف أخرى، استكمالاًًً لمشروع شرق أوسطي بات قديماً ، ولكنه يحاول التجدد عبر استغلال انتصارات ربما كان له دورٌ في تحقيقها .
إننا لا نريد تهميش ما قام به الشعب من إنجاز عظيم …. فالدماء التي أريقت ، وروت بداية الطريق يجب أن تكون حافزاً قوياً لإكماله ، ولتكن الخطوات المقبلة نابعة من إرادةٍ حقيقيةٍ خالصةٍ للشعب…. وهو قادرٌٌٌٌ للوصول إلى ما يريد.
إن الأنظمة في البلدان العربية عموماً وعبر تاريخها الطويل من التسلط والاستبداد أفرزت أجهزةً لأمنها …. وجيوشاً لحماية وجودها واستمرارها ، لذلك ليس من السهل أن تقف على الحياد احتراماً لرغبة الشعوب …. إلا إذا ضمنت استمرارها ، والدليل مظاهر القمع التي نراها لنفس الشعوب …. ومن ذات الأجهزة ….
الدول العظمى لها مصالحها أولاً وأخيراً …. وها هي وبعد هزائمها المتكررة في مناطق مختلفة من العالم تحاول من جديد عبر مجلس الأمن وغيره تأمين غطاء شرعي للتدخل مجدداً في ليبيا ، التي تشهد صحوةً بعد نومٍ وتخديرٍ استمرَّ طويلاً طويلاً …. مستفيدة من أخطائها ومحاولة ربما لتحسين صورة قاتمة لازمتها طويلاً …. أو لتكرار مخططات رسمتها منذ وقتٍ طويل ….
إن ما حدث في ليبيا اليوم مختلف عما حدث في مصر ومن قبلها تونس ، فإذا كان التدخل الخارجي في مصر وتونس لم يبدُ جلياً ، فإنه واضحٌ كلَّ الوضوح في ليبيا …. فالبوارج الحربية ليست للنزهة …. ومرتزقة النظام الليبي قديمة العهد …. وأصبحت اليوم جزءاً أساسياً من النظام بعد أن تخلى عنه قسمٌِ كبيرٌ من دعائمه ، مما يزيد الأمور تعقيداً …. وربما نشهد في الفترة القادمة أعداداً هائلة من الضحايا ثمناً لنهضة …. ستنتصر حتماً في النهاية ….
ما فعلته الشعوب العربية نهضة عربية نحو مستقبلٍ مشرق ، وتستدعي من بقية الأنظمة التصالح مع شعوبها ومعالجة آلامهم وتحقيق آمالهم ، والأفضل قبل نتائج مقرارت أحزابها ، ولكي لا تضطر لإسماعها النشيد الوطني العربي ….
لنردد مع شاعرنا الكبير أحمد فؤاد نجم :
برغم أن صورتك في كل الدواير
وكل المداخل وكل المحاور
ومليا الشوارع على كل حيط ….
مطنش علينا وعامل عبيط …
كأنك مفيش..
وللحديث تتمة ..




















