تعارض الصين المسعى الاوروبي والأميركي لفرض منطقة حظر جوي على ليبيا، متذرعة بضرورة احترام سيادة هذا البلد. لكن في خلفية هذا التحفظ تكمن على الأرجح محاولة للدفاع عن النفس، اذ ترى بكين ان الدول العربية التي شهدت انتفاضات ناجحة وتلك التي لا تزال تشهد محاولات للتغيير، تبنت جميعها «النموذج الصيني»، اي المزج بين الانفتاح الاقتصادي والتشدد الأمني والاجتماعي، وتخشى من ان تصل العدوى الى حدودها مستفيدة من التفاوت الهائل في المستوى المعيشي بين الصينيين.
وعملياً، فإن الاميركيين الذين يقودون اليوم بشكل غير مباشر مسار التغيير في الشرق الاوسط، يفعلون ذلك وعينهم على الصين نفسها، لانهم يرون فيها وريثاً لحال الاستقطاب السوفياتية السابقة (مثلما تُظهر الحماية الصينية لنظام كوريا الشمالية وتحالفات بكين في افريقيا ومواقفها المؤيدة لايران)، ومنافساً ناجحاً في الاقتصاد والمال، وساعياً دؤوباً الى التوازن العسكري يهدد زعامة الاميركيين المنفردة للعالم، خصوصاً ان اجمالي الناتج الداخلي للصين في 2010 تجاوز اليابان وحلّ في المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة، ويرجح خبراء انه سيبلغ المرتبة الاولى في غضون عشر سنوات.
وتعتبر واشنطن ان اسقاط «البيادق الصغيرة» التي اعتمدت الطريقة الصينية يساعد في عزل بكين وتقليص نفوذها ويحد من سعيها الى التوسع في الاسواق الناشئة وتوفير الطاقة النفطية، وهي كانت ترى في النظامين التونسي والمصري السابقين نسختين «طبق الأصل» عن النظام الصيني، فكلاهما تبنى الانفتاح الاقتصادي غير المضبوط، وكلاهما اقام منظومة أمنية وقمعية فاعلة لحماية جوقة المنتفعين والشرائح الوليدة من الاثرياء الجدد الذين لا يخضعون لأي محاسبة، أي انهما غرقا في الفساد الذي يزدهر في ظل غياب الحريات السياسية التي يتطلبها اي نظام مساءلة.
ولعل هذا ما يفسر اصدار السلطات الصينية تعليمات الى وسائل الاعلام الرسمية بالامتناع عن تغطية تطورات الثورة المصرية من وكالات الانباء والمصادر الاخرى والاكتفاء بالاخبار والصور التي توزعها هي عليها. كما يفسر ايضاً التحذيرات التي وجهتها الى سكان العاصمة بكين من تلبية الدعوات التي ظهرت على المواقع الالكترونية للتجمع والتظاهر، معتبرة ان الهدف منها «التسبب في الفوضى»، وارفقتها بانتشار كثيف لعناصر الامن، داعية الصينيين الى ان «يحموا الانسجام والاستقرار بدلاً من السماح لمجموعة من الاشخاص خارج الصين وداخلها باستغلال المشاكل في تطورنا والتسبب في اضطرابات».
ومع ان بكين اعترفت على لسان رئيس وزرائها ومسؤولين آخرين بوجود استياء لدى السكان، إلا انها عزت ذلك الى التضخم وارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية، اللذين ربطتهما بالرغبة في تحقيق نمو مرتفع ووعدت بايجاد حلول دائمة لهما، متجاهلة تماماً ان تكون لهذا الاستياء علاقة بالحريات السياسية وبالنمو غير المتوازن الذي انتج طبقة من اصحاب الملايين في المدن الرئيسية بينما بقيت غالبية سكان الارياف تعيش عند خط الفقر.
ومع ان التحركات واعمال الاحتجاج المتفرقة لم تصل الى حد تهديد النظام الصيني ولو من بعيد، إلا ان استمرار بكين في تجاهل متطلبات التحول الى قوة عظمى تنافس الغرب، والاميركي خصوصاً، يعني انها لم تستفد من تجربة الاتحاد السوفياتي الذي وضع في يد اعدائه الايديولوجيين ورقة الحريات وحقوق الانسان الثمينة.
“الحياة”




















