لو أن جاك دريدا شخصياً، كان رسول التفكيكية إلى ليبيا، وكان مفوضاً مطلق الصلاحيات مكلفا من الهيئات الدولية والإقليمية والمحلية، لما فعل في ليبيا كما فعلت تفكيكية العقيد القذافي. لقد كانت تجربته في الحكم مثالاً بلا نظير في التاريخ السياسي، قام على تفكيك كل شيء وإحالة الواقع بجلالة قدره إلى السديم، ثم إحالة السديم بدوره إلى شخص واحد فقط هو العقيد القذافي وخياله وما يراه من معنى حصري لكل شيء. وقد أبدى القذافي في تعامله مع السديم وتشكيله مجموعة من القدرات الخاصة التي تستحق الاعتراف،إذ اتسم بعناد التصور الذي يحمله ودفاعه المثير عنه، وتعامل مع العالم الافتراضي الذي حشر فيه ليبيا والليبيين معا ، بما هو حقيقة مطلقة هي الواقع بعينه، كما تمتع بوجود كفاءة عالية في الخطاب وقدرته على جذب الانتباه، حتى وهو يقوم بعملية تهويم جسورة، مترامية الأطراف، بجلد ويقظة يحسد عليهما، وتمتع بالقدرة على الانزلاق من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي لوحده فقط، كي يعزز الأول على حساب الثاني. لكن العقيد المثير لم يكن افتراضيا في مسألتين هما: ممارسة السلطة الفعلية باسم الافتراضي، والتحكم في المال.
ورغم أن منطق السياسة هو بالضبط ضد منطلق التفكيك، لأن السياسة تقوم على أساس الوحدة أو الاتجاه إليها، ولا تستطيع العمل بدون وجود إطار مرجعي ونسق يحكم الرؤية والممارسات، فإن تجربة العقيد القذافي في التفكيك يجب أن تكون مدعاة للتأمل والفحص والدراسة لفهمها وتفسيرها، بما هي استثناء على أي حال.
على مدار عقود تواصلت، حاول العقيد القذافي تفكيك ليبيا وأبنيتها ومعناها وتفكيك نفسية الليبيين ووعيهم أيضاً، وحشرهم في صورة افتراضية تختلف عن حقيقتهم او عن استعداداتهم في الواقع. وفي حصيلة ذلك وجد الليبيون جماهيرية تقوم بدون جماهير مؤمنة بها. ووجدوا سلطة مبنية لمعلوم غامض، لكن بدون دولة وأحياناً بدون حكومة. ووجدوا تعليما وجامعات وبعثات، لكن بدون متخرجات تكفي لإدارة بلد، وخططا تنموية طموحة بموازنات ضخمة بدون تنمية، وخطابا عالي النبرة عن مقاومة الاستعمار والتخلف والهيمنة وممارسات متوافقة موضوعيا في العمق مع (بعض) سياسات الاستعمار! وتمجيد حكم الشعب لنفسه منذ عام 1977، دون العثور على الشعب الحي بلحمه وشحمه ورهاناته، إلا كمفعول به وبمصالحه وحقوقه وكرامته ومعناه، أو كضجيج وكفوضى يحتاج اليهما خطاب الزعيم، وثروة طائلة بدون بنية أساسية حقيقية، ومليارات تصرف على تشكيلات أمنية مختلفة ولكنها ذات قدرات تنظيمية وعملياتية وتنفيذية ومهنية محدودة. وجماهيرية طموحة، لكنها غير قادرة على تنظيم وليمة لألف رجل على مدار ثلاثة أيام بكفاءة النظام القائم فيها، دون طلب العون من أحد.
لقد أخذت تفكيكية القذافي ليبيا والليبيين من مدارهم العادي ومن احتمالات تطورهم إلى أفق افتراضي وهمي، تحول الانسان الليبي بفعله إلى كائن مغترب. تفكيكية جعلت الليبي غريباً في كل شيء. وأحالت الواقع برمته وثقله إلى مرجعية وهمية مستمدة من نصوص الكتاب الأخضر، ومرجعية حقيقية أخرى هي بالضبط شخصية الزعيم. لقد كان العقيد القذافي حالة خارجة عن المألوف، أنتجت وضعاً خارجاً عن المألوف في كل شيء: في السياسة والاقتصاد والثقافة والخيال. وربما تكون هذه المقاربة الأفضل لدراسة تجربة القذافي.
لقد توفرت في ليبيا المعاصرة، كافة العناصر والإمكانيات والقدرات التي تجعل من المجتمع الليبي، واحداً من أكثر المجتمعات العربية نمواً وتوازناً وتأهيلاً وتطوراً وفاعلية، غير أن تفكيكية القذافي حولته إلى مجتمع تائه، يتحرك من أفق افتراضي مخرب إلى أفق آخر أشد خراباً.
وفي سياق تفسير حراك الليبيين حالياً لتغيير حياتهم، وهو حراك مركب العوامل والأسباب، من المهم الانتباه إلى عزمهم، كي يصبحوا عاديين كبقية عباد الله، والعودة إلى مألوف حياة الجماعات، واستعادة صورتهم المصادرة. أما جاك دريدا فإنه يتصدع ويسقط في ليبيا!
ورغم أن منطق السياسة هو بالضبط ضد منطلق التفكيك، لأن السياسة تقوم على أساس الوحدة أو الاتجاه إليها، ولا تستطيع العمل بدون وجود إطار مرجعي ونسق يحكم الرؤية والممارسات، فإن تجربة العقيد القذافي في التفكيك يجب أن تكون مدعاة للتأمل والفحص والدراسة لفهمها وتفسيرها، بما هي استثناء على أي حال.
على مدار عقود تواصلت، حاول العقيد القذافي تفكيك ليبيا وأبنيتها ومعناها وتفكيك نفسية الليبيين ووعيهم أيضاً، وحشرهم في صورة افتراضية تختلف عن حقيقتهم او عن استعداداتهم في الواقع. وفي حصيلة ذلك وجد الليبيون جماهيرية تقوم بدون جماهير مؤمنة بها. ووجدوا سلطة مبنية لمعلوم غامض، لكن بدون دولة وأحياناً بدون حكومة. ووجدوا تعليما وجامعات وبعثات، لكن بدون متخرجات تكفي لإدارة بلد، وخططا تنموية طموحة بموازنات ضخمة بدون تنمية، وخطابا عالي النبرة عن مقاومة الاستعمار والتخلف والهيمنة وممارسات متوافقة موضوعيا في العمق مع (بعض) سياسات الاستعمار! وتمجيد حكم الشعب لنفسه منذ عام 1977، دون العثور على الشعب الحي بلحمه وشحمه ورهاناته، إلا كمفعول به وبمصالحه وحقوقه وكرامته ومعناه، أو كضجيج وكفوضى يحتاج اليهما خطاب الزعيم، وثروة طائلة بدون بنية أساسية حقيقية، ومليارات تصرف على تشكيلات أمنية مختلفة ولكنها ذات قدرات تنظيمية وعملياتية وتنفيذية ومهنية محدودة. وجماهيرية طموحة، لكنها غير قادرة على تنظيم وليمة لألف رجل على مدار ثلاثة أيام بكفاءة النظام القائم فيها، دون طلب العون من أحد.
لقد أخذت تفكيكية القذافي ليبيا والليبيين من مدارهم العادي ومن احتمالات تطورهم إلى أفق افتراضي وهمي، تحول الانسان الليبي بفعله إلى كائن مغترب. تفكيكية جعلت الليبي غريباً في كل شيء. وأحالت الواقع برمته وثقله إلى مرجعية وهمية مستمدة من نصوص الكتاب الأخضر، ومرجعية حقيقية أخرى هي بالضبط شخصية الزعيم. لقد كان العقيد القذافي حالة خارجة عن المألوف، أنتجت وضعاً خارجاً عن المألوف في كل شيء: في السياسة والاقتصاد والثقافة والخيال. وربما تكون هذه المقاربة الأفضل لدراسة تجربة القذافي.
لقد توفرت في ليبيا المعاصرة، كافة العناصر والإمكانيات والقدرات التي تجعل من المجتمع الليبي، واحداً من أكثر المجتمعات العربية نمواً وتوازناً وتأهيلاً وتطوراً وفاعلية، غير أن تفكيكية القذافي حولته إلى مجتمع تائه، يتحرك من أفق افتراضي مخرب إلى أفق آخر أشد خراباً.
وفي سياق تفسير حراك الليبيين حالياً لتغيير حياتهم، وهو حراك مركب العوامل والأسباب، من المهم الانتباه إلى عزمهم، كي يصبحوا عاديين كبقية عباد الله، والعودة إلى مألوف حياة الجماعات، واستعادة صورتهم المصادرة. أما جاك دريدا فإنه يتصدع ويسقط في ليبيا!
[ كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين
“السفير”




















