تدلّ الأحداث الجارية في العالم العربي، بالنسبة للمؤرخ الباكستاني البريطاني طارق علي، على وجود تناقض في طروحات المحافظين الجدد الذين لا يعترفون بموجة الديموقراطية في المنطقة العربية.
في حواره مع الصحافي كريستوفر فينتورا في مجلة «ماريان» الفرنسية، قال علي بأن الانتفاضات التي تجتاح العالم العربي هي «ثاني موجة تاريخية للصحوة العربية». الصحوة الأولى كانت ضد القوى الاستعمارية، أمّا هذه الموجة الجديدة فإنها ضد الطغاة المهيمنين على معظم بلدان المنطقة.
هكذا، ترفض الشعــوب العربيــة اليوم تقبيل الأيادي التي تمسك العصا، التي بقيت تعاقبها على مدى عقود، ما يفتح فـصلاً جديداً في تاريخ الأمة العربية. وبهذا فإن قناعة المحافظين الجدد بأن العرب والمسلمين لا يميلون وراثياً إلى الديموقراطية، قد احترقت كالورقة البالية.
المروِّجون لهذه «العقيدة اللامنطقية، هم الأكثر تعاسة وخوفاً». الحديث هنا عن كل من إسرائيل وجماعات الضغط في أوروبا والولايات المتحدة، او من يسمّيها علي «الأورو-اميركا»، وكذلك «الصناعة العسكرية التي تبيع كل ما بوسعها للأنظمة العربية، والقادة العرب، بما في ذلك السعوديون، الذين يتساءلون اليوم ما إذا كان انتشار وباء الديموقراطية هذا سيطال مملكتهم الطاغية».
هؤلاء، أي الأسرة المالكة في السعودية، وقد أووا العديد من الطغاة في مملكتهم، هل سيجدون ملاذاً حين يحين دورهم؟ هؤلاء، عليهم أن يعلموا أن حُماتهم الغربيين، سواء الجدد منهم أو الأقدم منهم، سيلقون ببساطة، مثلما يلقون جورباً رثاً، وسيعلنون أنهم كانوا دائماً موالين للديموقراطية.
وعلى سبيل المقارنة مع التاريخ الأوروبي، فيمكننا تشبيه ما يجـري حــالياً بأحداث العام 1848، عندما أخذت الانتفاضــات الثورية شكلاً قارياً، بمعزل عن بريطانيا واسبانيا فقط.
واليوم، تكافح الشعوب العربية ضد الهيمنة الأجنبية، كما فعل الأوروبيون في العام 1848. وتشير دراسة حديثة إلى أن 82 في المئة من المصريين يحملون «صورة سلبية عن الولايات المتحدة». ولم يكن مجدياً طبعاً الاستيضاح عن آرائهم بالنسبة للأوروبيين… إنهم يقاتلون ضد انتهاك حقوقهم الديموقراطية وضد نخبة عمياء، بسبب لا شرعيتها. إنهم يريدون المزيد من العدالة الاقتصادية.
سمات الصحوة العربية الثانية مختلفة عن سمات «الموجة الأولى من القومية العربية»، التي كانت تقوم على محاربة الإمبريالية، وكان هدفها الرئيس تخليص المنطقة من بقايا الإمبراطورية البريطانية.
في الصحوة الثانية، حشدت الثورات العربية الحالية، الناجمة عن الأزمة الاقتصادية، إرادة وإبداع وقوة حركات جماهيرية ضخمة. ومع ذلك، لم تكن جميع جوانب الحياة الإنسانية موضع تساؤل. شكّلت الحقوق الاجتماعية والسياسية والدينية مادة للجدل العنيف في تونس، ولكن ليس في مكان آخر، على الأقل حتى الآن. حتى اليوم، لم يبصر أي حزب سياسي جديد النور، ما يوحي بأن المعارك الانتخابية المقبلة، ستكون على شكل مواجهة بين الليبرالية العربية والمحافظين العرب، الذين يأخذون شكل الإخوان المسلمين، ما يُعتبر نسخة محلية من الديموقراطية المسيحية الأوروبية.
الأخوان المسلمون يضعون في نصب أعينهم النموذجين التركي والأندونيسي، «القابعين، بشكل مريح في حضن الولايات المتحدة». يقترح قادة جماعة الإخوان المسلمين انتقالاً منظماً جداً، إذا ما لعبت واشنطن اللعبة معهم، وهو احتمال وارد. لكن الفارق مع النموذج التركي، يكمن في أن الحركات الجماهيرية هي التي قلبت وهدّدت الطغاة في العالم العربي. قد يفاجئنا المستقبل إذا سبّبت الأنظمة الانتقالية أو أنظمة ما بعد الثورات، خيبات أمل على المستوى الاجتماعي.
وأين الولايات المتحدة من كل هذا؟ الجواب بسيط: هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة توقفت، ولكنها لم تُدمّر. ستعود هذه الهيمنة لاحقاً، ولكن بشكل آخر. ستكون أنظمة ما بعد مرحلة الاستبداد، أكثر استقلالاً في التفكير، وإن كانت القوات المسلحة، كما في حالتي مصر وتونس، ستبقى موجودة لضمان عدم تجاوز بعض الخطوط.
أما المشكلة الكبيرة والحقيقية بالنسبة «للأورو-اميركا» فتكمن في البحرين. فإذا تمّ إسقاط قادة هذه المملكة الصغيرة، التي تعتمد على جيش يسيطر عليه ضباط متقاعدون وجنود من الجيش الباكستاني، عندها سيكون من الصعب جداً منع انتفاضة وطنية ديموقراطية في السعودية. فهل تستطيع واشنطن عندئذ أن تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذا الاحتمال؟ أم أن الولايات المتحدة ستنشر قواتها المسلحة للحفاظ على سلطة الوهّابيين؟».
أما الانتفاضة الليبية فلا تختلف في جذورها عن الثورتين في تونس أو مصر.
حَكَم معمر القذافي البلاد بقبضة من حديد. وإذا كان قد تمكّن أحياناً من اللجوء إلى الخطاب المعادي للامبريالية في الماضي البعيد، فإنه تعاون، في العقود الأخيرة، مباشرة مع أوروبا وأميركا. قام المنظّر انطوني جيدنز، وهو منظّر طوني بلير، بمدح هذا الزعيم بشكل مفرط ومبالغ فيه، مع أن أسلوب حياة القذافي وسياساته الغريبة جعلته غير مؤهل بتاتاً لتحديث بلاده. وعلى الرغم من السنوات الأربعين التي قضاها في السلطة، فإنّ الثقافة والمستوى التعليمي لليبيين يعتبر أسوأ من المستوى التعليمي لدى التونسيين مثلاً، كما أنّ النظام الصحي في البلاد يعدّ متخلّفاً جداً.
سجل القذافي ليس إلاّ عبارة عن دولة حزب واحد متآكل وهرم، وسجـون والكثير من التعذيب. وهو يعمل جاهداً على الحفاظ على هذا السجل، لكي يبقي عائلته في السلطة. وقد أدى قراره استخدام القوة الجـوية والجيش لقمع شعبه إلى تحرير بنغازي من قبضته، وتسبب في انشقاق داخل المؤسسة العسكرية. وقد قامت فرق الموت التابعة لهذا الدكتاتور بإعدام الجنود الذين رفضوا فتح النار على المتظاهرين. والقول إن هذا النظام تقدمي يشكل وصمة عار.
اليوم، يبدأ العدّ العكسي لأيام القذافي.
عن «Marianne» الفرنسية
ترجمة جنان جمعاوي
“السفير”




















