غريبة أمور الديكتاتوريات في العالم، قبل السقوط هناك الانجازات، بعد السقوط هناك الاختلاسات. الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وقبل اسبوع على سقوطه، كان هناك في بيروت كتابٌ انتهت طباعته وبوشر بإعداد الخطّة لتوزيعه. الكتاب كان يتحدّث عن انجازات بن علي وازدهار تونس في عهده، ما انْ تلاحقت الأنباء عن سقوطه حتى سُحِبَ الكتاب من التداول، وتمّت عملية إتلافه.
بعد السقوط بدأت الأنباء والمعلومات تتلاحق عن اختلاسات ليس بن علي وحده بل زوجته وابنته وصهره: قصور الرئيس مخبّأة في جدرانها العملات الصعبة والحِلى والمجوهرات. وقبل ذلك كان الفساد قد نخَرَ جسم تونس، لا مشروع فيها يُبصر النور الاّ إذا كان الصهر أو الزوجة أو الأخ شركاء فيه، لا وكالة حصرية تُعطى لأحد الاّ إذا كان من أهل الرئيس أو أقربائه أو أتباعه أو الحاشية.
فوق الفساد هناك الديكتاتورية. فالضحيّة محمد البوعزيزي أحرَقَ نفسه لأن البوليس التونسي صادر له عربة الخضار مصدر رزقه الوحيد لإعالة عائلته وتعليم أشقائه؟
ثلاثة وعشرون عاماً أمضاها بن علي في حكم تونس بيدٍ من حديد، وبجيوبِ من دولار، لكن كل هذه الثروات لم تنفعه في البقاء لحظة واحدة في سدّة الرئاسة إلى درجة ان الحظ ساعده في الالتحاق بطائرة اللجوء أو المنفى.
وما يُقال عن بن علي يمكن قوله عن الرئيس حسني مبارك: ثلاثون عاماً في الحكم، من العام 1981 حتى العام 2011 كوّنَ فيها ثروات تكفي لإعالة العاطلين عن العمل في مصر. وهذه الثروات موزّعة بين نجله جمال ونجله علاء وزوجته سوزان. البعض يتحدّث عن مبالغ خياليّة تفوق المئة مليار دولار، فيما يتحدث البعض الآخر عن شركاء للنجلين في كل المشاريع المقامة في مصر، والأخطر من كل ذلك ان صفقة تزويد اسرائيل بالغاز المصري مفعمة بروائح العمولة، ويتردد ان جمال مبارك هو الذي ضغط في اتجاه تحقيق هذه الصفقة لقاء العمولة المحكى عنها.
ومن بن علي ومبارك، الى الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي، تكاد سنوات حكمه أن تجمع سنوات بن علي ومبارك معاً، والثروات التي تتمتع بها ليبيا من جراء النفط، تكاد أن تقضي على الفقر في القارة الافريقية، لكن بدلاً من ذلك فإنّ هذه الثروات مجمّعة بين أيدي القذافي وأنجاله.
هنا يتبادر الى الذهن السؤال التالي: بمَ يُفكّر الديكتاتوريون الاستثنائيون أو العاديون منهم حين يكونون في الحكم؟ إذا كانوا هُم لا يراجعون التاريخ أليس لديهم بين مستشاريهم مَن يقول لهم إنّ التاريخ يعيد نفسه؟ ما من ديكتاتور إلاّ وانتهى إما في السجن أو في المنفى، فلماذا يُكدّسون كل هذه الثروات من جيوب شعوبهم؟




















