«هل العربيّ الذي يتظاهر، اليوم، في الشوارع العربيّة، ذلك الذي يؤمن بتعدّد الزّوجات، ولا يفهم دينه إلاّ بوصفه تحليلاً وتحريماً وتكفيراً، ولا يرى إلى الآخر المختلف إلا بعين الارتياب والإقصاء والاستبعاد والنَّبذ – هل هذا العربيّ يمكن أن يُوصف بأنّه ثوريٌّ، أو بأنّه يتظاهرُ من أجل الديموقراطية وثقافتها؟ «أدونيس/ الحياة، العدد ( 17555) بتاريخ 2011/4/28.
هكذا يتساءل شاعرنا الثوري عن جدوى ثوراتنا العربية… يمسك الميكرفون في ندوة مخصصة لتكريم رماد «البوعزيزي» ليتكلم (بمنتهى الفوقية) في الانتقاص من إنساننا العربي، واحتقاره وعياً وفكراً وتحرراً.
هذه هي وجهة نظر شاعرنا الكبير في إنساننا العربي: أنّه ببساطة «متخلّف»… وبذلك فإن ثوراته هي أيضاً «متخلّفة» مثله! ثوراته ليست حداثية بما يكفي، وليست قطعاً بجمال وبهاء ثورته ضد الموروث، وأسوأ ما في الأمر أنها ثورة تخرج من: مسجد!
نسي شاعرنا أن ينتبه إلى اللحمة العربية غير المسبوقة التي تجعل المسلم يقف على بابِ الكنيسة مدافعاً عن حق المسيحي بالاختلاف عنه، نسي اللافتاتِ المخضبة بأرواح الأحرار التي تدعو إلى نبذ الفوارق وحب الاختلاف واحتواء الآخر، ولكن أدونيس لا يريد هذه اللحمة على ما يبدو، هو لا يريد المسجد ولا حتى الكنيسة، ولا الدّين ولا الموروث بأي حال، هو لا يريد شيئاً من هوّيتنا ربما، منذ أسمائنا العربية وحتى ثوراتنا العربية.
ويتساءلُ شاعرنا: «كيف صارت الحبة التونسية قبّة عربية؟»… وهو التساؤلُ الغريب بدوره، لأنني أعتقد بأن اشتعال الإنسان من فرطِ القهر ليس «حبة» بأيّ شكل، وبأن استجابة العالم العربي لتلك الشرارة، ومطالبة الإنسان المسحوق منذ عقود. وربما قرون، بحقوقه المشروعة، ليست أيضاً « قبّة»… ولن تكون. ولكنني سأحسنُ الظن بك، يا أستاذ أدونيس، سأقول خانك التعبير! رغم أنه تعبير كلاسيكي جداً، و«قديم» جداً ومنزوع من مجلدات الموروث القديمة والمغبرة… ولا أدري كيف استخدمته حداثتك، أقصد سعادتك! ولكن ماذا عسانا نقول؟ أدونيس الذي قلّدناه منصباً رائداً في التبشير بحداثة الغرب في راهننا العربي، اعتاد أن يختلف مع الإنسان العربي لمجرد الاختلاف، أو لمجرد أنه عربي؟ وكأنه يريد أن يجيء متمرداً، حتى لو كان ذلك التمرد ضد التمرد ذاته – إذا استخدمنا لغته هو – فهو الذي يملك ما يكفي من البصيرة الحداثية لكي يعلن بأن الثورة السورية ليست ثورة، بل هي تمرّد، ولم يبق إلا أن يزيد بأنها : يجب أن تقمع!
أدونيس، في كلمته التي ألقاها عن شرارة الـ «بوعزيزي» التي تفشت في هشيم واقعنا المحتضر، يحارب أفكاراً تجاوزها شارعنا العربي في غفلةٍ من حداثته، أدونيس يحاربُ طواحين الهواء، على ما يبدو، لأن ثوراتنا العربية قد تجاوزت العصبية والعنصرية التي يفترض شاعرنا الكبير وجودها في إنساننا، في مساجدنا وكنائسنا وشوارعنا… ولكنه يناقض نفسه هنا أيضاً، لأنه هو القائل بأن الثورات (التي يفضل أن يسمها تمرداً) لا تتكئ على نظريات وأطر أيديولوجية مسبقة!
عذراً أستاذ أدونيس، هذه المرة تفوق الشارع العربي على المثقف العربي، وصار أكثر تقدمية وإنسانية من افتراضاته وسوء ظنه.. وأنا في الحقيقة سعيدة، لأن الشارع العربي بات ينتمي إلى مستقبله الأوسع من قصيدة، لا إلى راهنه الأضيق من قبر، أنا سعيدة لأن شارعنا العربي قد تفوّق على حداثتك يا أستاذ أدونيس، لقد سبقك بمراحل.
* كاتبة وأديبة كويتية











