ليس لديّ شك في أن الأزمة المالية التي تكتسح العالم اليوم لن تؤدي إلى سقوط الرأسمالية، وقد قدمت أسبابي لذلك في المقال السابق في هذه الصحيفة ـ 20081025.
ولكن هل يمكن القول إن هذه الأزمة لابد أن تؤدي إلى سقوط «الرأسمالية المطلقة»، أي الرأسمالية مطلقة اليدين وهي النظام الذي أخذ ينتشر في العالم الصناعي المتقدم، في أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان (وإن بدرجات متفاوتة) منذ منتصف السبعينات، والذي اقترن على الأخص بالسياسة الريغانية (نسبة إلى الرئيس الأميركي ريغان) والتاتشرية نسبة إلى رئيسة وزراء بريطانيا، اللذين حكما هاتين الدولتين خلال الثمانينات من القرن الماضي.
هذه الرأسمالية مطلقة اليدين، أُطلقت عليها أسماء مختلفة ك«الرأسمالية المتوحشة» و«الرأسمالية السوبر» وتولى قيادة الدفاع عنها والترويج لها من الناحية النظرية، أستاذ أميركي مرموق وحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد.
وهو ميلتون فريدمان الذي توفي منذ سنوات قليلة، وتبنت الدعوة المؤسسات الدولية المالية الكبرى، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وحاولت هذه المؤسسات، مؤيدة بالطبع من الإدارة الأميركية في واشنطن، فرض هذا التحول الرأسمالي المطلق على دول كبيرة من العالم الثالث، وتكللت هذه المحاولات في أغلب الحالات بالنجاح.
لماذا أعتقد أن عهد هذه الرأسمالية المطلقة قد أصابته صدمة عنيفة بوقوع الأزمة المالية العالمية الأخيرة، وأن شمسها قد بدأت في المغيب، وأننا لا بد أن نشهد عودة إلى عصر الرأسمالية المقيدة، والتي تقترن بتدخل كبير من جانب الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية؟
للإجابة عن هذا السؤال من المفيد أن نسأل أولاً عن سبب بزوغ هذه الرأسمالية المطلقة في الأصل.
خلال السبعينات من القرن الماضي، أي منذ أكثر قليلاً من ثلاثة عقود، شهد العالم الصناعي المتقدم ما يمكن اعتباره ثورة تكنولوجية جديدة، عمادها التقدم في تكنولوجيا الاتصالات وتخزين ونقل المعلومات.
أحدث هذا التقدم ثورة في صناعة برامج الكمبيوتر وتطويرها، وفي تقصير المسافات بين دول العالم، وزيادة سرعة النقل، سواء نقل السلع أو المعلومات أو الأفكار، كما أحدث ثورة في صناعات وخدمات كثيرة أخرى، من صناعة الطائرات والسيارات إلى صناعة الأفلام السينمائية والتلفزيونية، إلى خدمات البنوك… إلخ.
بل فتحت هذه الثورة التكنولوجية أبواباً واسعة أمام الاستثمارات الصغيرة نسبياً إذ سمحت التكنولوجيا الحديثة بتحقيق الربح بصرف النظر عن حجم رأس المال المستثمر، ففقد الحجم الكبير ميزته التقليدية في كثير من فروع النشاط الاقتصادي.
وأمكن للمشروعات الصغيرة منافسة المشروعات الأكبر، ظهر ذلك مثلاً في كسر ما كانت تتمتع به الشركتان الكبريان في إنتاج المشروبات الغازية (كوكاكولا وبيبسي كولا) بظهور أنواع كثيرة مختلفة من المشروبات المنافسة لها، وفي كسر احتكار هوليوود لصناعة الأفلام، فظهرت شركات صغيرة مستقلة لإنتاج الأفلام ونجحت نجاحاً باهراً، كما كسرت شركات التليفون المحمول احتكار شركات التليفون الكبرى.. الخ.
كان لابد من إطلاق حرية المستثمرين الجدد الذين يريدون استغلال هذه الإمكانيات الهائلة لتحقيق ربح وفير من وراء تطبيق الاكتشافات التكنولوجية الحديثة، وعدم إرهاقهم بالقيود المفروضة من جانب الدولة إما بهدف حماية المستهلكين أو لضمان امتيازات معينة للشركات الاحتكارية، نعم، تُرك المستهلكون تحت رحمة المنتجين والبائعين أكثر من ذي قبل.
ولكنهم أيضاً حظوا بمزايا التجديد والابتكار والتنوع التي حققتها هذه الاستثمارات الجديدة، كان لابد لهذه الرأسمالية مطلقة اليدين من ضحايا، ممن فقدوا مظلة الحماية من جانب الدولة، كما كان لابد أن يترتب عليها تدهور في توزيع الدخل، إذ زادت الأرباح والدخول العليا من جانب، ودفع الصغار ومحدودو الدخل الثمن المترتب على تقليص يد الدولة في الإنفاق على بعض الخدمات الضرورية، إذ اتجه الإنفاق الحكومي أكثر فأكثر لخدمة مصالح المنتجين ولو على حساب المواطن البسيط.
هذه الثورة التكنولوجية (ثورة المعلومات والاتصالات) التي شهدها العالم ابتداء من منتصف السبعينات، (ووثيقة الصلة بظاهرة العولمة التي كثر الكلام عنها منذ ذلك الحين) هي فيما يبدو المسؤولة عن ظاهرة الريغانية والثاتشرية، أو بعبارة أعم، هي المسؤولة عن ظاهرة «الرأسمالية مطلقة اليدين» أو المتوحشة.
ولكن يبدو أن من قوانين التاريخ أنه لابد لأي ثورة تكنولوجية من آخر، وعندما يتباطأ التقدم التكنولوجي، وتشح فرص الربح المجزي، يضعف ما تجلبه الرأسمالية المطلقة من مزايا، وتظهر بشكل أوضح، ما تقدم من عيوب.
كاتب مصري
"البيان"




















