يستغرب كثيرون من الأخوة العرب اللغةَ والطريقةَ التي يستخدمها الإعلام السوري. وكثيراً ما عانينا، نحن السوريين، من إيصال وجهة نظرنا لأولاء، والآن يضرس كلّ من أيّد النظام من حموضة إعلامه الغريب.
بالنسبة لنا نحن السوريين؛ الإعلام السوري ضليع في الكذب. لديه تراث مُطبّقٌ في طبقات من الكذب والفبركة الرخيصة. لا غرابة من أن يفبرك الآن ويكذب، فهو أمين لهذ التراث وأسيره. والعقول التي تديره هي عقول لا تخرج عن شعار ‘سورية الأسد’ الذي لا يعنى شيئاً سوى أن سورية مزرعةٌ لمالكها، حافظ من قبل وابنه من بعدُ، اما الآخرون فعبيد أقنان. ولا بد للأقنان من ‘مُلاحظين’ هم الأسوأ كما يقولُ التاريخُ. وأسوأ الأسوء من ‘ملاحظي النظام’ هُمُ الإعلاميون الرخيصون.
أذكر قصةً من الإرث الإعلامي الذي أسسه حافظ الأسد. لا تستغربوا، فحافظ الأسد كان يتدخّل في كل شيء. هو الذي طلب مثلاً أن تنشر الصحف السورية أخباره على يسار وأعلى الصفحة بدلاً من يمين وأعلى الصفحة. فالرجل لم يكن ليعطي فرصة للعاملين في الصحافة أن يدخلوا خبرتهم أو ذوقهم في عملهم. الكل يجب أن يُصَبّ على القالب. وهكذا ظلت الصحف الثلاث العتيدة ‘البعث’ و’الثورة’ و’تشرين’ تنشر صورهُ على يسار الصفحة الأولى طبعاً طوال ثلاثين عاماً مُتّصلة.
القصّة: بعد أن أَبَلّ حافظ أسد من مرضه 1983 خرج لافتتاح الجسر المسمى ‘جسر الرئيس’ وهو الجسر غير البعيد عن مكان إقامته. قبل أن نمضي في القصّة أقول استخدمتُ الفعلَ ‘أبلّ’ اقتباساً والله من البيان الذي صدر آنذاك وثقب آذاننا عبر التلفزيون، تلفزيونَهُ، مرات ومرات. وآذى عيونَنا ذاتُ البيان في الصحف، صحفه طبعاً. والفعل ‘أبلّ، من إبلال’ استخدم لأنه أكثر تستّراً من الفعل’شفى، من شفاء’. فلا الإعلام السوريّ ولا المسؤولين في الدولة جرؤوا على أنْ يعلنوا أن الرئيس مريضٌ. رغم أنه ظلّ مريضا لما يقرب السنة، وكان في جزء من هذه المدة على الأقل غائباً عن الوعي، ومع ذلك ‘أبلّ’ وليس ‘شفى’.
نرجع إلى قصتنا. نرى عبر كاميرا التلفزيون حافظ الأسد يمشي ببطء وحيداً على الجسر. مع لقطات بين الحين والآخر للشارع تحت الجسر حيث تمر السيارات سريعة. الجسر خالٍ إلا من رجال أمن يسيرون في الاتجاه ذاته الذي يسير فيه حافظ، أي أننا لا نرى سوى ظهور رجال الأمن. وطبعاً هنا المرادُ أن يمثّل رجال الأمن دور أفراد من الشعب بألبسة مختلفة. كلّهم كانوا رجالاً، فليس من نساء في أجهزة الأمن السورية. أما السبب في أن الكاميرا كانت تصورهم من الخلف فهو على الأرجح أن المشاهد سيكتشف أن هؤلاء الرجال ما هم إلا شباب، يعني رجال أمن. أحد أولاء كان يرتدي ‘بشت’ أي عباءة رعيانية من وبر الإبل، من تلك العباءات التي لا يلبسها أحد سوى الرعيان في البادية، وهي عباءة شتوية بينما نحن في الصيف… هه. لا يهم! الأنكى أن حافظ الأسد يمر إلى جانب هذا الرجل اللابس الـ’بشت’ الرعياني من دون أن يلتفت هذا المواطن الراعي. ويمسّ كتفُ حافظ الأسد كتفَ هذا المواطن الراعي، فلا يلتفت المواطن الراعي، بل يستمر في المشي قدما وهو يُصلح وضع الـ’بشت’ على كتفيه.هه!
فهل لإعلام له مثل هذا التراث العتيد أن يتخلى عنه؟ محال!
كاتب سوري




