حينما أكد جلالة الملك عبدالله الثاني تشاؤمه من العملية السلمية، بسبب ممارسات العدو الصهيوني، فانه لم يكن يجدف بالغيب، بل بنى تصوراته هذه على ما يجري في الأرض المحتلة، وعلى مواقف عصابات الاحتلال، واصرارها على رفض الرؤية الدولية، والاستمرار في الاستيطان وتهويد القدس، وتحويلها الى «جيتو» يهودي على غرار «جيتو» وارسو في القرن التاسع عشر.
وبشيء من التفصيل فان اجراءات العدو الصهيوني لتهويد القدس، والتي تجري بسرية وسرعة تامة وعلى مدار الساعة، تؤكد أن العدو مصمم على استكمال تهويد المدينة، وتدمير المعالم الاسلامية التاريخية، والسيطرة على الاوقاف الاسلامية التابعة للمسجد الاقصى المبارك، حيث بدأ، وكما تؤكد التقارير الواردة من المدينة، بتهويد منطقة القصور الاموية الملاصقة للمسجد الاقصى، وتحويلها الى مطاهر «للهيكل المزعوم» وتحويل محيط المسجد والبلدة القديمة بالقدس الى حدائق توراتية.
وفي هذا السياق ايضا، بدأ بتغيير اسماء الشوارع في المدينة الى اسماء يهودية، حيث قامت اطقم تابعة لبلدية الاحتلال في القدس بوضع لافتات بارزة وبلغات ثلاث تحمل اسماء الشوارع، اضافة الى مصادرة «550» دونما من اراضي سلوان وجبل المكبر لاقامة بؤر استيطانية جديدة، وتضييق الخناق على العرب المقدسيين، لحملهم على مغادرة المدينة المقدسة. وتهويد المواقع الاثرية الفلسطينية، واطلاق اسماء عبرية عليها.
اجراءات العدو هذه علاوة على انها تشكل انتهاكا سافرا للقانون الدولي، ولاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر اجراء اي تغيير ديمغرافي او جغرافي، فانها ايضا تشكل نسفا للعملية السلمية بأكملها، وتعيد المنطقة الى المربع الاول.
لم يعد معقولا، ولا مقبولا من المجتمع الدولي وهو يرى اسرائيل تدفع بالمنطقة الى حرب لا تنتهي، ان يبقى صامتا او يلجأ الى اصدار بيان انشائي باهت، يدعو الاطراف للعودة للمفاوضات وهو يعلم علم اليقين ان حكومة المتطرفين الصهاينة ترفض العودة الى المفاوضات، والالتزام بشروط واشتراطات العملية السلمية، وخاصة وفق الاستيطان، وتصر على فرض وتكريس الامر الواقع، وتحويل الارض الفلسطينية المحتلة الى كانتونات وجزر معزولة يصعب معها اقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا.
مجمل القول: يثبت العدو الصهيوني كل يوم، انه ليس معنيا بالسلام ولا بالمفاوضات، وانه معني فقط في تنفيذ خططه ومخططاته التهويدية التوسعية، القائمة على تهويد القدس ورفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والتاريخية، وخاصة حقه في اقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وعودة اللاجئين، ما يفرض على الامة ان تنهض بمسؤولياتها، لانقاذ اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.. فمن القدس تبدأ الحرب، ومنها يبدأ السلام.
«ولينصرن الله من ينصره» صدق الله العظيم.











