المستقبل –
قامت الدنيوة في الغرب المسيحي بالتحديد وبنسب تفاوتت بين بلد وآخر، وراح الداعون اليها ينزعون الطابع الديني عن التشكيلات المفهومية الأخلاقية التي كان قد أقامها العقل الفلسفي الميتافيزيقي في شقه الديني اللاهوتي، وذلك بغية الوصول الى نوع من العلمنة أي الفصل بين ما هو ديني وبين ما هو دنيوي أو عالمي. وقد نتج عن ذلك في الغرب استنباط مفاهيم دنيوية وعلمانية كفهوم "العناية" (CARE) الذي يدور الكلام عليه في هذا الكتاب. الواقع انه الى اليوم، وبإقرار الكاتبة نفسها، لم يكن بوسع هؤلاء الذين كانوا وراء هذا المفهوم أن يحملونه من المعاني والدلالات أكثر من تلك التي زخرت بها المفاهيم اللاهوتية (كمفهوم المحبة في المسيحية) أو الكلامية (كمفهوم الرحمة في الإسلام) التي جاوزته أو جاورته أو قابلته. ولكن هذا الإصرار على نزع الطابع الديني عن المنظومات الأخلاقية الضاربة جذورها في الدين؟ تقول الكاتبة في الصفحة 31 انه "عندما تعتمد نظرية أخلاقية على دين معين، فإن قدرتها على إقناع من يعتنقون ديناً آخر ستكون ضئيلة. بالمقابل، بإمكان النظريات الأخلاقية التي تعتمد على العقل أن تنجح في كسب الدعم في أنحاء العالم وكل الثقافات". وتضيف أن "إحدى نقاط القوة في النظريات الأخلاقية السائدة هي استقلالها عن الدين"، كما في النظرية الأخلاقية الكانطية أو عند أصحاب المذهب النفعي. ذلك لأن هذه النظريات تخاطب العقل الكلي وحسب، على ما تقول الكاتبة التي تلاحظ أيضاً هذه النظريات لم تحقق أهدافها.
السؤال: 1 ـ إذا كان الدين مرتبطاً ولا بد بالثقافة، فمن بوسعه أن يفكر أن الثقافة لم تطوع العقل وتصقله ليساهم بدوره في صنعها؟ وهل يكون ما ندعوه العقل الكلي هو هو في كل المجتمعات والثقافات والحضارات؟
2 ـ أضف أن بعض المفاهيم التي أمعن بعض "الدنيويين" في طمس ملامحها البنيوية كالحرية والعدالة والحقيقة على سبيل المثال هي مفاهيم دينية بامتياز. فالحرية قوام الدين والايمان الديني، أياً كان هذا الايمان وذلك الدين، وإلا لمَ ندان في اليوم الآخر؟ وكيف للمؤمن أن يستحق ما ينشده ويتوق إليه إن لم يجازف ويؤثر الايمان على الكفر، على الرغم من الشكوك التي تحاصره من كل جانب وليس عنده بعد ولن يكون عنده على كل حال الخبر اليقين؟ يقول البابا بينيديكتوس السادس عشر في كتابه "الايمان المسيحي بين الأمس واليوم" (1968) إن ما يجمع من يؤمن بمن لا يؤمن هو الشك الذي يساورهما. فالايمان امتحان ومحنة وبلاء (سفر التكوين 22، وسورة الصافات 106) ومغامرة ورهان (رسالة القديس بولس الى أهل روما 4/18 وفيها أن "ابراهيم آمن بالرجاء على غير رجاء"، وهو الذي أمِنَ الله أي وثق به وآمن بالله أي انقاد له وأطاعه). أما العدالة (التي ترادف في لساني العربي المساواة) والحقيقة البشريتين، فإنهما ليستا سوى رجع العدل والحق الإلهيين.
3 ـ الى ذلك، يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إن المجتمعات العلمانية الغربية الحديثة "تشكو وهن القناعة الأخلاقية في الوقت الي تلتمس السياسة الأخلاق"، وبعد أن يؤكد أن كل جماعة بشرية تحتاج الى ما يدعوه ريكون "ديانة دنيوية" أو "مقدس مدني"، يسأل: "كيف نشط التزام المثل الأخلاقية المشتركة ونفعلها ونحييها من دون حد أدنى من الديانة الدنيوية؟". ثمة حاجة إذاً الى تحويل الإلزام الذاتي العقلي الى نوع من إلزام ذاتي ديني إذا ما أريد له أن يكون التزاماً أخلاقياً راسخاً. وههنا المأزق التي وصلت اليه المجتمعات الغربية الحديثة والذي يتمثل من جهة بالحاجة المشتركة والملحة الى الوصل بين ما هو مقدس ديني وبين ما هو دنيوي وسياسي واجتماعي ومدني، وبالإصرار على الفصل بينها من جهة أخرى.
[ الكتاب: أخلاق العناية (The Ethies of Care)
[ الكاتب: فيرجينيا هيلد
[ المترجم: ميشال حنا متياس
[ الناشر: عالم المعرفة، منشورات المجلس الوطني للثقافة والأدب والفنون، الكويت 2008




















