غسان تويني
الطائر فوق المتوسط، ومن بعده ما صار اسمه حائراً بين "شرق أوسط" و"شرق أدنى" – أدنى الى من وماذا؟ – يحار كيف تمحى الحدود وكيف امّحت من جيل الى جيل حتى زالت الآن وصرنا نستبدلها بأرقام تتكاثر الأصفار في خواتمها؟
تتساءل أين ملاعب الحضارات التي كانت تدعي، بالدور، أن المتوسط بحرها دون سواها، من الفينيقيين الى الإغريق الى الرومان، فعودة الى العهد "الهيليني" (الاسم الأحدث للإغريق) ثم الى القسطنطينية الرومية (الاسم الذي يجمع بين يونانيتها وتتويجها روما الشرق…) ثم الى العرب القادمين بالإسلام من الصحراء ولم تردعهم حواجز ولا مخاطر البحار، فصار "المتوسط" بحراً عربياً مسلماً لم تنفع الحروب "الصليبية" – و"الصليب" من دوافع حروبها الاقتصادية بل حوافزها القومية الاستعمارية براء!!! – في استعادتها لتصبح "ماري نوستروم" أيٍ "بحرنا نحن" بلغة الروم… فقامت للروم امبراطورية، لم تمنع الاسلام من أن يعود متلبساً بجنوح امبراطوريّ… عثماني العنصرية…
هذا البحر، ألا يستحق أن يوصف اليوم بعلامة الاستفهام التاريخية العظمى؟
•••
واذا كان الأمر كذلك – وانه لكذلك – أولا يكون التاريخ المتحفز بنا بحروبه الجديدة، وحدود هذه الحروب التي هي من "الارقام المتكاثرة الاصفار" التي ذكرنا آنفا الى حدود بين حروب لا أوطان لها غير إرهاب يدّعي مكافحة إرهاب ولا من يشعرون… فلمن المتوسط اذاً؟ لمن مستقبله الذي هو التاريخ المقبل علينا من كل حدب وصوب؟
سؤال مؤرق، ولو بدا نظرياً، لأن الصراع على المتوسط الآتي من أعماق أوروبا الى أبعاد آسيوية متكاثرة وكلها كالقبابيل تشتعل، تفجّر الواحدة الأخرى…
ولعل أبرز برهان على زوال الحدود "الجغراسية" التقليدية كانت العملية الأميركية المجوقلة التي عبرت القارات لترتكب "عدواناً موصوفاً" على العراق وسوريا وكأن لا حدود لهذه ولا لتلك… وتحار عاصمتا البلدين المعتدى عليهما، الواحدة باسم الاخرى في أي رد لديها غير اللجوء الى الارهاب الذي هو عنوان العداء المشترك بينهما أو الاكتفاء بالتظاهر الكلامي الذي لا يردع معتدياً ولا يرد عدوان، ولا يقيم على الارض حدوداً ضد حدود، أو متميزة عن حدود.
•••
كل ذلك لنقول إن الأزمة الكبرى التي يعانيها لبنان، ضمن المعاناة العربية الشاملة، هي أزمة الانتساب الى حدود وهوية، بعد اكتمال الاستقالة العربية من تاريخ الشرقين الاوسط والادنى وتشريع أبواب القارات أمام المخاطر الزاحفة الينا من الشرق الاقصى الذي زالت هو أيضا حدوده وصار ما يميز وطناً من أوطانه عن الآخر موعد الانفجار وعدد الضحايا والشهداء.
•••
في عيد ميلاد رفيق الحريري، نتذكّر مع صحبه وأهله ومع ذوي سائر الشهداء، الأحياء منهم كالأموات، ما استشهد هؤلاء من أجله وكيف في عصر زوال هويات الحدود الجغراسية، بأية حدود ترتسم قاعدة صالحة لحماية هويتنا.
"النهار"




















