ما إن ينتهي معرض الكتاب الفرنسي في بيروت حتى يبدأ معرض الكتاب العربيّ في المكان نفسه الذي لن يكون نفسه. الكتب الفرنسية التي انتشرت على الرفوف وفي الأجنحة ستحلّ محلها كتب عربية، والكتّاب الفرنسيون والفرنكوفونيون سيحتلّ منابرهم كتّاب لبنانيون بالعربية وآخرون عرب. قد تكون هذه الظاهرة جميلة جداً لو لم تكن في بلد منقسمٍ على ذاته طائفياً وسياسياً… انها خير دليل على حال الانقسام الثقافي الذي يعانيه لبنان، بل على «الانفصام» الذي تشهده الهوية اللبنانية.
بين ليلة وضحاها كما يُقال، ينقلب المكان على نفسه: جمهور هنا يختلف كل الاختلاف عن جمهور كان هنا أيضاً، جوّ يختلف عن جوّ حتى في التفاصيل الصغيرة التي لا يُبالى بها عادة. هنا كان أناس يتكلمون الفرنسية بطلاقة ويقرأون بالفرنسية وربما يفكرون بها، وهنا أناس يتكلمون العربية – لغتهم الأم – ويقرأون بالعربية ويفكرون بها. هنا ارتفعت شعارات فرنكوفونية ومتوسطية وهنا سترتفع كالعادة شعارات عربية وقومية…
ظاهرة جميلة جداً لو كان لبنان بلداً متعدداً في المعنى الحقيقي أو في المعنى الثقافي الصرف. لكن التعدد الذي يعرفه لبنان لم يكن يوماً مدعاة للانصهار القائم على الاختلاف أو للتلاقي الذي يتخطى التخوم والفروق التي يرثها اللبناني قبل أن يفتح عينيه على العالم. هذا كلام شائع يعرفه الجميع ويحفظه غيباً ولا حاجة للتذكير به. فاللبناني أكثر من لبناني ولبنان أكثر من لبنان و «الأنا» و «الآخر» هما «أنا» و «آخر» مهما سعى البعض الى إلغاء هذه الثنائية أو إنكارها.
ما أجمل أن تكثر معارض الكتب في البلد الواحد. انها تدل على غنى نادراً ما تعرفه البلدان الواحدة. معرض للكتاب العربي وآخر للكتاب الفرنسي وآخر للكتاب الإنكليزي… ناهيك عن معارض الأقليات مثل معرض الكتاب الأرمني والكتاب الكردي… لكن هذا التعدد هنا لا يخفي حال التمزق الداخلي الذي فشلت الثقافة في رأبه، بل لعلها زادت من آفته.
كان معرض الكتاب العربي (الأعرق عربياً) شبه منغلق على نفسه، لا سيما خلال الحرب اللبنانية، وكان شبه مكتفٍ بجمهوره وقضاياه وشعاراته. ولكن عندما سقطت الجدران الفاصلة بين المناطق اللبنانية وجد المعرض نفسه مضطراً الى الخروج من «عزلته» تلك والى الانفتاح على المجتمع «الآخر». وخلال فترة قصيرة غدا الكتاب «جسراً» يعبره الجميع ليلتقوا ويتجاذبوا الكلام والأفكار. ولم تعد المدينة واحدة إلا عندما عاد معرض الكتاب واحداً تلتقي فيه الكتب «اللبنانية» كلّها على اختلافها الحادّ في أحيان. لكن «اللقاء» هذا لم يعنِ يوماً أن الاختلاف زال تماماً وأن الالتئام الوطني بلغ أوْجَه وأن «الثقافات» اللبنانية أضحت ثقافة واحدة. فالرياح الخارجية التي تعصف دوماً بهذا البلد قادرة على قلب «المعادلة» مهما كانت راسخة.
قد لا يلائم الكلام عن معارض الكتب في بيروت الكلام عن الهوية اللبنانية المنقسمة على نفسها أو «المنفصمة» بالأحرى. ولكن ماذا يعني أن تنعزل المعارض بعضها عن بعض؟ ماذا يعني أن تستقل بجمهورها ولغتها وشعاراتها؟ لم يسع أي معرض من المعارض هذه الى محاورة المعرض الآخر ولا حتى الى التعاون معه. كل معرضٍ مستقل بذاته ومكتف بذاته. حاول معرض الكتاب العربي أن يدّعي العالمية لكنه فشل، فهو معرض عربي وعربي فقط. ومثله حاول معرض الكتاب الفرنسي أن يكون لبنانياً ففشل، ولم يكن إلا معرضاً فرنكوفونياً. وحاول معرض الكتاب الانغلوساكسوني الذي أقامته الجامعة الأميركية مرة ولم يستمر، أن يكون ردّاً على المعرضين وفشل. أما معارض الأقليات فهي معارض آنية لا تتخطى حدود الأقليات نفسها ولا تطمح الى الانفتاح ثقافياً على سائر المعارض، خوفاً من هاجس «التذويب» أو الاستيعاب. ولعل انقطاع المعارض بعضها عن بعض، كان له أن يمثل ما يشبه الانقطاع الثقافي واللغوي بين اللبنانيين أنفسهم. الجمهور اللبناني في المعرض الفرنسي لا يتحدث إلا بالفرنسية. جمهور المعرض الانغلوفوني يتحدث بالإنكليزية. أما جمهور معرض الكتاب العربي فلا يؤثر إلا العربية وهذا طبيعي. نادراً ما تجد شعباً واحداً في وطن واحد يتكلم لغة غير لغته الأم. هل يمكن أن يتحدث الفرنسيون بعضهم مع بعض بالإنكليزية أو الإيطالية أو الألمانية؟ وهكذا دواليك. الشعوب تتواصل باللغات الأم، أما اللغات الأخرى فهي ذات غايات أخرى، ويجب فعلاً إتقانها لأنها تعني الانفتاح والمعرفة والحوار…
كم تشبه بيروت برج بابل، حتى وإن كان شعبها يتقن أكثر من لغة، حتى وإن كان منفتحاً على لغات الآخرين. تختلط العربية بالفرنسية والإنكليزية وسائر اللغات حتى تغدو اللغة لغات تتنافس، بل حتى تغدو الهوية هويات «قاتلة» كما عبّر مرّة أمين معلوف الكاتب اللبناني بالفرنسية.
ما إن ينتهي معرض الكتاب الفرنسي في بيروت حتى ينطلق معرض الكتاب العربيّ في الصالات نفسها، ولكن بجمهور آخر وعناوين أخرى وشعارات أخرى. هذا الاختلاف، وحدها بيروت تعرفه، بيروت التي تكاد ألاّ تكون حقيقة من فرط جمالها الخرافي.
"الحياة"




















