اتهم الرجل النحيل البعيد بالتسلل الى الجلسة. بإفسادها. والهيمنة عليها. والتلاعب بـ «جدول الأعمال». وحرف النقاش. اتهم الرجل الممدد في التراب الذي يعشق الإخلال بقواعد الموت وشروط الغياب. اتهمه بعبور الجسر من دون إبراز أوراقه. كأنه اشتاق الى سهرة في عمان. كأنه رغب في تفقد دموع رفاقه المقيمين في حضرة الغياب.
لحامل القضية الفلسطينية رمزية تجتذب الصحافيين. كلما كنت في عاصمة ومر بها الرئيس محمود عباس ذهبت إليه. ولقد وجدته دائما رحبا وصريحا وعنيدا في واقعيته. وهذا ما كنا نفعل كلما هبطت طائرة ياسر عرفات في عاصمة كنا نبحث فيها عن حوار او اخبار.
في الطريق الى مقر اقامة الرئيس الفلسطيني كانت الاسئلة واضحة في ذهني. المشهد الفلسطيني الذي يراوح بين الحوار والانتحار. واقتراب موعد الحسم في انتخابات الرئاسة الاميركية. وما يمكن ان يتوقعه الرئيس عباس اذا نجحت عاصفة باراك اوباما في الاستيلاء على البيت الابيض. وماذا لو كذبت صناديق الاقتراع الاستطلاعات.
وجدت الرئيس الفلسطيني محاطا بإثنين من قدامى المحاربين. نايف حواتمة الامين العام لـ «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» وياسر عبدربه امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونبيل ابو ردينة وضيفين كريمين فضلا عن السفير الفلسطيني الذي احاط الحاضرين بدماثته.
لم أعد أذكر من أورد اسم محمود درويش. غالب الظن انه لم يتعمد ان يكون الشاعر الكبير الغائب الحاضر محور الجلسة. تغيرت ملامح عباس واختلطت في وجهه ابتسامة رقيقة بدموع مكبوتة وبشعور من يفتخر باسم درويش. لفتني ان عباس يعتبر غياب الشاعر الفلسطيني في طليعة الخسارات التي مني بها الشعب الفلسطيني. كان يستخدم «الرائع» لوصف الكبير الغائب. عبر عن اعجابه الشديد بـ «في حضرة الغياب» وبدا مرتاحاً لأن الشعب الفلسطيني اقام لدرويش وداعا يليق به. ولم يتردد في الخوض في أحجام الشعراء وأهمية كل منهم وكان انحيازه الى درويش قاطعا. وشعرت ان الرئيس الفلسطيني يفاخر بالشاعر الفلسطيني والعربي وبعمق البعد الانساني الذي طبع قصائده وكتاباته في المرحلة الاخيرة.
تحدث حواتمه عن قدرة محمود درويش على التطور المستمر وهو ما مكنه من الوصول الى العالمية استنادا الى موهبة شعرية استثنائية وثقافة واسعة وحس سياسي عميق وقدرة على الغوص في الجذور الانسانية للمعاناة.
ولم يكن حبر درويش المضيء يحتاج الى من يذكر بحضوره القوي في المحطات الكبرى، ذلك ان «اهم الوثائق التي تؤرخ لنضال ياسر عرفات والثورة الفلسطينية المعاصرة وضعها محمود درويش». فمن خطاب عرفات الشهير من منبر الامم المتحدة في 1974 الى اعلان الاستقلال في 1988 لم تجد الثورة افضل من حبر درويش ورؤيته الوطنية والانسانية للإطلال على العالم والتعبير عن معاناتها ومطالبة العالم بإزالة الظلم الذي لحق بشعبها.
قصة ياسر عبدربه مع محمود درويش قديمة. بينهما رفقة عمر وود وصداقة وتواطؤ، خصوصاً في محاولة الاول «المشاغبة» البريئة على العلاقة الاستثنائية التي قامت بين درويش وعرفات. سألته فرد قائلا: «كان محمود درويش لياسر عرفات ما كانه المتنبي لسيف الدولة مع الأخذ في الاعتبار اختلاف العصر واختلاف نمط العلاقات بين القائد والشاعر. اذا وضعنا مدائح المتنبي لسيف الدولة جانباً فإن بقية العلاقة يمكن ان تكون متشابهة او متطابقة». واضاف: «كل المحطات الكفاحية لياسر عرفات، خصوصا الاكثر اضاءة، سجلها محمود درويش. مديح الظل العالي هو ملحمة بيروت التي كان عرفات يعتبرها جوهرة التاج بالنسبة إليه والمأثرة الكبرى في حياته مأثرة الصمود في وجه القوة الاسرائيلية الغاشمة… كان عرفات يحس انه يدخل التاريخ المدون والمكتوب من خلال محمود درويش. كانت العلاقة بينهما جميلة وعميقة وهائلة».
سألت الرئيس عباس ماذا طلب درويش منه بعد توليه الرئاسة وجاء جوابه: «لا شيء، لا شيء على الاطلاق. كان حضوره جميلا ولطيفا يأتي في زيارات قصيرة. كان حالماً وكان واقعياً في الوقت نفسه».
اتاح الانتقال الى العشاء الفرصة لمناقشة مواضيع تراوح بين الانتخابات الاميركية والأزمة المالية العالمية. لكنني شعرت ان محمود درويش بقي حاضراً برهافة حزنه ورهافة سخريته. جميل ان تفاخر قيادة شعب بشاعر. وان تعتبره صوتها ورايتها وسفيرها. أفسد الرجل الجلسة جعلها جميلة وبهية. شكرا له على هديته الجميلة. تناسيت المقال الذي كنت كتبته وفضلت الكتابة عن الجلسة التي افسدها.
"الحياة"




















