I – تركيا
تتابع تركيا باسترخاء مجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية، وذلك لأن العلاقات الأميركية – التركية تتميز بمتانة لا تجعلها عرضة للتقلب لمجرد وصول أي من المرشحين المتنافسين جون ماكين أو باراك أوباما إلى المكتب البيضوي. يترقب الأتراك نتيجة الانتخابات بدون كثير أمل أو توجس، فالعلاقات الأميركية-التركية تعد الأمتن مع القطب العالمي الأوحد في المنطقة بعد إسرائيل. ولئن صمدت العلاقات بين أنقره وواشنطن طوال عقود تغير فيها شكل النظام الدولي وتحولت فيها التوازنات الإقليمية في المنطقة الجغرافية التي تضم تركيا، فإن ذلك يتم الآن مع مفارقة كبيرة مفادها أن الأتراك هم من أكثر شعوب الشرق الأوسط نفوراً من سياسة الولايات المتحدة. وهنا تتبادل تركيا وإيران المواقع، إذ أن الأخيرة تتواجه مع واشنطن في حين تتحالف تركيا معها منذ عقود، إلا أن الإيرانيين العاديين يتعاطفون مع الولايات المتحدة الأميركية أكثر بكثير مما يفعل الأتراك المتحالفون سياسياً وإستراتيجياً معها وهي مفارقة تستحق التأمل.
توازنات تتغير
تعود العلاقات الأميركية التركية إلى عصر الحرب الباردة (1945- 1991)، حيث لعبت تركيا الدولة العضو في الحلف الاطلسي (الناتو) دوراً كبيراً في النتيجة النهائية التي وصلت إليها الحرب الباردة بسبب موقعها الجغرافي الفارق ودوره الكبير في محاصرة الاتحاد السوفياتي السابق. وإذ تتحكم جغرافية تركيا العبقرية بالممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، أي الموصلة بين آسيا وأوربا، فإنها تمتلك أيضاً إطلالة ممتازة على البحر الأسود، فضلاً عن الامتداد الواسع لشواطئها الجنوبية على البحر الأبيض المتوسط. ولذلك يمكن رؤية الخريطة التركية مثل شريحة أفقية، وضعتها الجغرافيا باقتدار، بين القارات الثلاث أوروبا وآسيا وأفريقيا، إذ لا يفصلها عن الأخيرة سوى البحر المتوسط. وموقع تركيا الجغرافي المتعدد الموهبة يتعدى كل ذلك، فهي تطل باقتدار على منطقة البلقان، كما يضع موقعها الجغرافي منطقة بحر قزوين بامتياز تحت السيطرة الجغرافية، كما أن جغرافيتها تحبس روسيا عند حدود البحر الأسود، بعد أن تمنع عنها مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة.
بعد نهاية الحرب الباردة استمرت العلاقات الأميركية-التركية على درجة عالية نسبياً من المتانة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ولكن في هذه الفترة تحديداً بدأ الحديث عن تراجع الأهمية النسبية الإستراتيجية لتركيا وغيرها من حلفاء واشنطن في المنطقة بسبب سقوط الاتحاد السوفياتي السابق. شهد عقد التسعينات تغيراً في الصورة الإستراتيجية لجوار تركيا الأوروبي البلقاني والأوراسي القوقازي، ومثال ذلك يوغوسلافيا السابقة واحتدام الصراع العرقي والطائفي فيها ومن ثم تفككها دويلات، حيث لم تستطع تركيا التي تملك مصالح تاريخية هناك مساعدة البوسنيين، بسبب الرفض الأوروبي القاطع لدور تركي هناك. وتكرر الأمر نفسه مع تركيا من بعدها وحتى الآن ابتداء من موقع الألبان حلفاء الأتراك التاريخيين في إقليم كوسوفو، وليس انتهاء برفض الاتحاد الأوروبي انضمامها إليه وتصعيب الشروط عليها بالرغم من أن المعايير الاقتصادية للانضمام تنطبق على تركيا بأكثر مما تنطبق على دول كثيرة عضو بالفعل في الاتحاد. والموضع الثاني الذي تغيرت فيه الصورة الإستراتيجية في جوار تركيا كان القوقاز، بعد انزياح الغطاء السوفياتي عنه. ولم تستطع تركيا أيضاً تفعيل دور لها على الرغم من الوشائج التاريخية والعرقية التي تربطها بالقوقاز، ومرد ذلك أن روسيا وقفت حائلاً دون ذلك بالترافق مع ميل غربي واضح لضرورة عدم استفزاز روسيا في البلقان، مع انتزاع تنازلات أخرى منها في شرق أوروبا. وهكذا خرجت تركيا خالية الوفاض من التغييرات العميقة التي حدثت في جوارها البلقاني والقوقازي، بسبب موقعها كشريك صغير في التحالف الغربي.
عادت رياح التغيير لتعصف بتوازنات الشرق الأوسط مع احتلال العراق عام 2003، وأدى الموقف التركي بعدم المشاركة في العمليات العسكرية بسبب عدم رغبة واشنطن في تلبية المطالب والشروط التركية، إلى طفرة جديدة في دور الأكراد في شمال العراق بعد احتلاله. ويعتبر الكثير من المحللين الأتراك أن التحالف الأميركي – الكردي في شمال العراق ترك تداعياته العميقة على العلاقات الأميركية – التركية بحيث لا يمكن معالجتها في غضون سنوات قليلة، فحالة تركيا حيال الولايات المتحدة تشبه حالة من وجد عشيقته في حالة تلبس مع طرف أخر.
وبالرغم من التدهور النسبي في القيمة الإستراتيجية التركية في منطقة الشرق الأوسط بعد احتلال العراق، إلا أن هذه القيمة مازالت مستمرة في البلقان والقوقاز والبحر الأسود والمضايق البحرية في البوسفور والدردنيل، لكن عدم التمكن من استخدام هذه القيمة أو "تسييلها"، كما حدث في العراق، يخلق نتائج خطيرة، "فالقيمة الإستراتيجية يجب أن تكون متغيرة بصورة دائمة مثل العملة تماماً"، على ما يقول جنكيز تشاندار خبير الإستراتيجية التركي. ويضرب مثالاً على ذلك بعملة ألبانيا "ليك"، فعندما تصل إلى مطار زوريخ تفقد هذه العملة قيمتها لأنها غير قابلة للصرف. أكثر من ذلك، إذا بقيت جيوبك ممتلئة بهذه العملة في زوريخ تصبح عبئاً عليك. هكذا القيمة الإستراتيجية، إذا لم تستطع توظيفها في الوقت المناسب، تصبح عبئاً ويجب تغييرها. ربما توفر الهجمات الكردية على المعسكرات التركية داخل تركيا انطلاقاً من شمال العراق، الأرضية المناسبة لانقرة لاقامة منطقة عازلة في شمال العراق، ومن ثم عودتها مجدداً إلى توازنات الشرق الأوسط بالأصالة عن نفسها وليس بالوكالة عن واشنطن. ولكن هذه الفرضية التي تطرح نفسها كسيناريو محتمل لا تتعلق فقط بحسابات صانع القرار في أنقرة، ولكن أيضاً بالدور الذي ستمنحه الإدارة الأميركية المقبلة لتركيا في صياغة التوازنات بالشرق الأوسط. بمعنى آخر تنتظر تركيا لترى حجم الدور الذي سيعرض عليها من الرئيس الأميركي الجديد، وليس لتعرف هل لها موقع في خطة الإدارة المقبلة، فالإجابة على السؤال الأخير تبدو شبه معروفة من الآن.
الدور الإقليمي
لم يغير وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا عام 2002 من متانة التحالف القائم بين واشنطن وأنقره، بل ان آفاق التحالف الأميركي – التركي ترسخت أكثر في عهد حزب العدالة والتنمية. تبدو شروط النضوج التركي لدور إقليمي وقد اكتملت في اللحظة التاريخية الحالية، فتركيا هي اكبر اقتصاد في المنطقة وحجمه هو السابع عشر عالمياً، وهي تسبق في ذلك المملكة العربية السعودية التي تصدر النفط في حين تستورده تركيا. وينمو الاقتصاد التركي بمعدل يراوح من خمسة إلى سبعة في المئة سنوياً، وهي نتيجة تحققت طوال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، وحتى الآن. الأهم من كل ذلك أن تركيا التي تصدر بكثافة ملحوظة لا تضع التصدير كمحرك لاقتصادها مثل دول كثيرة، بل إن الطبقة الوسطى التركية الكبيرة نسبياً تستهلك شطراً كبيراً من المنتجات التركية داخل تركيا. وهذه تمتلك أكبر الجيوش في المنطقة، وهي قبل كل ذلك تقدم النموذج السياسي الأفضل للتناوب على السلطة في منطقة أصبحت فريسة للتناحر بين الأصولية والديكتاتورية. لم تعد تركيا توكل لواشنطن مهمة حماية أمنها القومي منذ العام 2003، وهي خطوة كبيرة لم يلتفت إليها حتى الآن؛ باختصار نجحت تركيا مع حكومة حزب العدالة التنمية في دمج حضورها الجغرافي ودورها التاريخي وقوة اقتصادها ونفوذ مؤسستها العسكرية في بوتقة لصوغ مشروع جديد. وهذا الإنجاز هو الأهم من الناحية الإستراتيجية في تركيا منذ ست سنوات، وليس المرجعية الإيديولوجية للحزب الحاكم أو التصارع بين العلمانيين والإسلاميين. وتبدو الأمور في "حالة وفاق" بين المعسكرين على جانب السياسة الخارجية، كما أن كليهما ينسجم مع الطروحات الأميركية الأساسية للمنطقة ولدور تركيا فيها.
ستكون الإدارة الأميركية المقبلة مستعدة -على الأرجح – للتعاون مع تركيا في إطار سياسة واقعية أكثر مرونة في التعاطي مع قضايا المنطقة مقارنة بفترتي حكم الرئيس جورج دبليو بوش، في حال فوز باراك أوباما المتوقع أن يتبنى سياسات إقليمية للتهدئة والحوار دون التنازل عن تحالفات بلاده الأساسية مع أنقره وتل أبيب. أما إذا فاز جون ماكين الراغب في ممارسة المزيد من الضغوط على دمشق وطهران فلن تختلف النتيجة كثيراً من المنظار التركي. ولما كانت الحال كذلك فمن الطبيعي أن تكون الإدارة الأميركية المقبلة في وارد استيعاب الأهمية الكبيرة لتركيا في المنطقة، خصوصاً أن إسرائيل لن تستطيع ضمان المصالح الأميركية وحدها، وذلك بسبب تدني قدراتها البشرية والجغرافية، وبالرغم من الردع النووي الذي لا يحقق وحده الهيمنة التي تخدم المصالح الأميركية.
يبقى في هذا السياق ملاحظة أن تركيا أفلحت على مدار العقود الماضية في تكوين اللوبي التركي في الولايات المتحدة، إلى جوار مجموعات الضغط القائمة تاريخياً في المجلسين التشريعيين الأميركيين، الشيوخ والنواب مثل: اللوبي الصهيوني، واللوبي الأرميني، واللوبي الإيطالي، واللوبي اليوناني، واللوبي اللاتيني. يعد "مجلس الصداقة التركية الأميركية" ATFC الذي تأسس عام 2005 وترئسه منى دايموند من أقوى مجموعات الضغط التركية في الولايات المتحدة، إلا أن هناك مؤسسات مشتركة أميركية – تركية لها وجود تاريخي في القارة الأميركية مثل "اتحاد الأميركيين الأتراك"، وذلك بسبب الهجرات التركية إلى الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الأولى على الأقل. وتعد "الجمعية الأميركية التركية ATS" التي تأسست عام 1949، وتضم في عضويتها أكثر من 400 شخصية مؤثرة في عالم المال والإعمال الأميركي، من أقدم الجمعيات التركية الأميركية في الولايات المتحدة. وهكذا ينزع "اللوبي التركي" في الولايات المتحدة الأميركية الطابع الوقتي والمرحلي عن التعاون التركي – الأميركي، ذلك الذي يتأسس على مصالح موضوعية متبادلة بين الطرفين، ولا يتعلق فقط بميول إيديولوجية للأحزاب السياسية الحاكمة في كل من واشنطن وأنقرة، أو حتى بنتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية على أهميتها الفائقة.
II – إيران
ربما تكون إيران البلد الأكثر ترقباً في العالم لنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومرد ذلك أن طهران تعلق آمالاً كبيرة على هزيمة المرشح الجمهوري جون ماكين بما يمثله سياسياً وأيديولوجياً، للوصول إلى أهدافها الإقليمية. ولا يخفى أن طهران تنظر إلى ماكين باعتباره أحد أبرز مؤيدي "المحافظين الجدد" والداعين إلى التصعيد ضد إيران عموماً، وفي ملفها النووي خصوصاً وهو ما يضع عائقاً كبيراً أمام طهران في طريقها للصعود الإقليمي.
انطلاقاً من هذا الموقف الإيراني الواضح تعتقد طهران أن فوز أوباما الديموقراطي في الانتخابات سيعيد الاعتبار إلى سياسة خارجية أميركية أكثر واقعية في تعاملها مع قضايا الشرق الأوسط، وبالتالي سيتوجب على أي إدارة ديموقراطية جديدة أن تتعامل مع الواقع الموضوعي على الأرض وتخوض مفاوضات مع طهران. وبسبب إمساك إيران بأوراق إقليمية متنوعة سياسية واقتصادية ومذهبية وإستراتيجية، فإن نتيجة المفاوضات سوف تعكس هذا الواقع وما يمكن إيران في النهاية من المشاركة في صياغة مستقبل المنطقة بسماح وتفاهم أميركيين. ويعني التفضيل الإيراني الحالي للمرشح الديموقراطي عودة عن تقليد إيراني تاريخي، بدأ منذ عام الانقلاب على حكومة الدكتور محمد مصدق عام 1953 واستمر حتى انتخابات الرئاسة الأميركية في عام 2000، ومفاده تحبيذ التعامل مع الإدارات الجمهورية، ومرد ذلك أن اللوبي النفطي الأميركي والنافذ في سياسة واشنطن قريب تقليدياً وبحكم المصالح من الجمهوريين.
العلاقات الإيرانية – الأميركية
والعامل الإسرائيلي
تعتبر العلاقات الإيرانية – الأميركية فريدة من نوعها في تاريخ العلاقات الدولية على مدار نصف القرن الأخير، إذ راوحت بين أقصى درجات التقارب وأشد مراحل العداوة، وتقلبت على ألوان طيف بين هذين الحدين. وتعود أهمية العلاقات بين البلدين إلى حزمة من العوامل الموضوعية يتصدرها الدور الدولي القائد الذي تلعبه الولايات المتحدة في تقرير مصائر النظام العالمي، وأيضاً دور إيران المحوري في منطقة الشرق الأوسط والعائد إلى موقعها الجيوسياسي ومواردها من الطاقة بالإضافة إلى قدراتها البشرية والعسكرية. شهدت الفترة الواقعة بين الثورة المضادة التي أسقطت حكومة الزعيم الوطني الإيراني الدكتور محمد مصدق عام 1953 وقيام الثورة الإيرانية عام 1979 ذروة التلاقي والتصالح في العلاقات الأميركية – الإيرانية وتمتين التحالف وتنسيق الأدوار والمصالح بين البلدين في المنطقة، لتدخل بعدها في نفق مظلم. وعلى مدار ربع القرن الممتد بين هاتين النقطتين الفاصلتين اعتقد المراقبون بأن العلاقات الثنائية الممتازة بين البلدين هي المثال الواجب أن يتم اعتماده بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تبدت المصالح الوطنية لكل منهما في مناطق الجوار الجغرافي لإيران على وفاق كامل. وبعد قيام الثورة الإيرانية انقلبت هذه العلاقات لتصبح في مجملها علاقات صراعية قلما شهدت نظيرها العلاقات الدولية الحديثة، إذ أنتجت خطاباً إعلامياً جديداً صارت الولايات المتحدة بمقتضاه "الشيطان الأكبر"، في حين أصبحت إيران توصف على نحو متزايد بأنها أحد أطراف "محور الشر".
تلتقي المصالح الأميركية – الإيرانية في القضايا الجيوبوليتيكية الأهم، على الرغم من تصادمها في مسائل فرعية وإيديولوجية، إذ لا تعرف العلاقات الدولية تطابقا في المصالح بين أي بلدين. وبالرغم من الالتقاء الموضوعي في المصالح بين واشنطن وطهران، فقد استمرت العلاقات مقطوعة بين الطرفين منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حيث لعبت عوامل كثيرة دوراً في منع حصول تفاهم أميركي – إيراني، يتقدمها المكون الإسرائيلي النافذ في واشنطن والراغب في تعطيل العلاقات بين البلدين خوفاً على مصالحه. وهكذا يمكن ملاحظة أن المنافسة الإقليمية بين إيران وإسرائيل قد قوضت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فمن ناحيتها أفشلت إيران جهود التسوية بين الدول العربية وإسرائيل لأنها كانت ستؤدي إلى شرق أوسط جديد بقيادة إسرائيلية بحيث يتم تهميش طهران ومصالحها في المنطقة. وبالمثل فقد أفشلت إسرائيل كل محاولات التقارب التي لم تنقطع بين واشنطن وطهران، بوساطات أوروبية وعربية وآسيوية، لأن تل أبيب ترى في هذا التقارب تهديداً لموقعها في المنطقة.
اشتعل العداء الإسرائيلي لدور إيراني في المنطقة مع تراجع حضور العراق بعد حرب تحرير الكويت، وما أدت إليه مغامرات بغداد العسكرية من اختلال التوازنات لمصلحة طهران منذ التسعينات على الأقل. وقتها قامت تل أبيب بتوسيع مفهوم "المبدأ المحيطي" الذي صاغه مناحيم بيغن، والقائم على ضرورة تعاون إسرائيلي استراتيجي مع الدول الواقعة على المحيط العربي (إيران وتركيا وأثيوبيا)، وبموجب التوسيع الجديد أصبحت الهند هي دولة المحيط وليس إيران.
الطموح الإقليمي الإيراني وكابحه
تعرقل طهران مشروع الشرق الأوسط الجديد بالأصالة عن نفسها وبالنيابة عن حلفائها الممتدين من العراق حتى غزة، وهذه العرقلة تجعل لإيران أهمية خاصة في الإستراتيجية الأميركية على الرغم من قطع العلاقات بين واشنطن وطهران منذ عام انتصار الثورة الإيرانية عام 1979. ولئن استطاعت طهران استثمار التناقضات في المنطقة والأخطاء الفادحة للإدارة الأميركية الحالية بخليط مدهش من فن المناورة الإستراتيجية وأصول الدهاء الإيراني، فإن طهران تعلم قبل غيرها حدود القوى الكونية التي تكبح طموحها التاريخي للعب دور إقليمي تحت أسقف منخفضة.
وعلى الناحية المقابلة فقد تقلصت خيارات واشنطن النظرية حيال إيران إلى احتمالين فقط: التسوية السياسية أو العمل العسكري. ويعد سيناريو تغيير النظام الإيراني من الداخل أمراً مستبعداً، لأن حركات المعارضة الإيرانية في الداخل، شخصيات وأحزابا، لا تستطيع بحكم موازين القوى الداخلية الإيرانية استثمار الوضع الإقليمي والدولي للضغط على النظام بجدية. كما انهار السيناريو الخاص بالاحتواء المزدوج تجاه إيران والعراق بسبب سياسات إدارة الرئيس المنتهية ولايته جورج دبليو بوش في المنطقة، فقد كانت واشنطن – وليس غيرها – هي الطرف الذي حيّد الأخطار على حدود إيران الجنوبية عبر إطاحة حركة "طالبان" في عام 2001. وكانت واشنطن أيضاً هي الطرف الذي قدم خدمة جليلة لطهران بإطاحة النظام العراقي السابق عام 2003، فصار حلفاء طهران يجلسون لأول مرة منذ تأسيس العراق في مقاعد السلطة ببغداد. وهكذا كرس احتلال أفغانستان والعراق إيران كقوة إقليمية عظمى في المنطقة، لا يمكن تجاهل مصالحها عند رسم منظومة إقليمية جديدة.
برعت طهران، حتى في أحلك الظروف، في استخدام قنوات خلفية متنوعة للحوار مع واشنطن بهدف التأثير على خيارات التصعيد من بعض الأطراف داخل الإدارة الأميركية. ولعله من المفيد ملاحظة أن إيران لا تعادي الولايات المتحدة الأميركية لأغراض إيديولوجية فقط، بل تسعى لإجبارها على الجلوس إلى مائدة المفاوضات لتقاسم النفوذ معها في المنطقة وذلك عبر قدرة طهران على تكبيدها خسائر إقليمية وسياسية. وهنا يلعب اللوبي النفطي في أميركا دوراً أساسياً باعتباره الداعم الأساس لـ "المجلس الجمهوري الأميركي الإيراني" الذي يضم في عضوية هيئاته التنفيذية إيرانيين في المهجر يرتبطون بالدولة الإيرانية، بالإضافة إلى سفراء ووزراء أميركيين سابقين وحاليين. ويقوم هذا المجلس منذ تأسيسه عام 1997، بإعداد سيناريوات التعاون المختلفة مع إيران واستشراف آفاق التعاون بين البلدين في المنطقة.
ويشترط منطق التسوية المفترضة بين واشنطن وطهران أن تتبنى إيران موقفاً مشابهاً للموقف الباكستاني أو الموقف الماليزي حيال تل أبيب، أي دولة إسلامية غير عربية لا تعترف بإسرائيل وتنتقدها من حين لآخر، ولكنها تتجنب الدخول في مواجهة معها و لا تتحداها مباشرة أو عبر وكلاء. ومن المتوقع أيضاً، في حال حدوث التسوية، أن تقلص إيران حدود تعريفها لبيئة أمنها القومي بحيث تقتصر على الخليج العربي وبحر قزوين فقط، وليس الشرق الأوسط الكبير. وهكذا يمكن القول –بكثير من الاطمئنان – إن المعرقل الأساسي للتسوية السياسية بين واشنطن وطهران هي تل أبيب ومعها المجمع الصناعي- العسكري الأميركي، أما المؤيد الأساسي لهذه التسوية فهو لوبي النفط الأميركي.
ولكل ذلك يبدو صعود وهبوط خيار التسوية الإيرانية- الأميركية مرتبطاً أساساً بالداخل الأميركي وتوازنات القوى فيه، وفي مقدم هذه التوازنات بالطبع نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية. وبالرغم من وجاهة التقدير الإيراني لإمكانات التفاوض المحتملة مع الإدارة الأميركية الديموقراطية، ومحدودية خياراتها حيال إيران، فإن الرهان الإيراني على فوز المرشح الديموقراطي في حل القضايا العالقة بين واشنطن وطهران يبدو بسيطاً بعض الشيء، ويعود ذلك إلى أن القرارات الإستراتيجية الكبرى لا يصنعها الرئيس الأميركي وحده، بل جماعات الضغط المختلفة والمصالح الاحتكارية الكبرى.
يبدو أن على طهران تأجيل الاحتفال بانتصار رهانها الإستراتيجي حتى الدخول في مفاوضات مباشرة مع الإدارة الديموقراطية المقبلة. أما إذا فاز المرشح الجمهوري ماكين بالانتخابات، فالأرجح أن خيار التفاوض مع طهران سيتراجع إلى الخلف لمصلحة التصعيد السياسي والدبلوماسي وربما العسكري. إنها بالفعل انتخابات حاسمة لمستقبل الدور الإقليمي الإيراني في المنطقة.
(مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية – القاهرة)
"النهار"




















