الذهاب إلى منطق المجازر لم يعد ممكناً من دون تكلفة. ويفترض أن النظام السوري يدرك ذلك جيداً. ما عدا أنه ينمّ عن يأس وقلة خيارات وإدارة بائسة للأزمة، فهو يشي خصوصاً بأن النظام لم يعد قادراً على طمأنة أنصاره مثلما أنه بات عاجزاً عن ضبط معارضيه وجذبهم إلى حوار أو إلى قبول «إصلاحات» يعلن عنها تباعاً لتأكيد أنه باقٍ، وسيستمر. غير أن ممارساته نفسها هي التي زرعت الشكوك في إمكان بقائه، فللبقاء مقومات لا ينفك يقوّضها.
في منتصف الشهر الخامس للانتفاضة الشعبية استطاع مجلس الأمن أخيراً أن يضع الأزمة السورية تحت مجهره. فقدت الدول «الممانعة» فيه، روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، القدرة على تجاهل نهج ستاليني لم يعد هذا أوانه. ذاك أن تسكير المدن وعزلها وإرسال دبابات الجيش لقصف عمرانها وقتل كل من يتحرك فيها باتت فعلاً من التراث الأسود لعالم آخر وعصور غابرة. لم يبقَ لسورية نصير في مجلس الأمن سوى لبنان، ولا يعني ذلك أي امتياز لبيروت بل يبلغ العالم أن حكومتها متماهية مع السطوة السورية وبالتالي فلا رأي لها إلا ما تراه دمشق.
الأهم، أخيراً، أن الصمت العربي بدأ ينكسر. فالأنظمة والحكومات التي صرفت النظر طوال الأسابيع السابقة، وعلى رغم سماعها نداء «صمتكم يقتلنا»، استشعرت المأزق ولو متأخرة. فهي صمتت دعماً لنظام دمشق، علّه يفلح في تبديد الأزمة، لكنها مضطرة الآن للتعامل من الإدانة الدولية لهذا النظام. وهي انتظرت دعوات أميركية وأوروبية ملحّة لتشرع في التخلي عن سكوتها. كانت الاتصالات معها ناشطة منذ فترة بعيداً من الأضواء ولم تفلح. غير أن القاهرة استشعرت أولاً أن الريح الدولية بدأت تتغيّر باتجاه التدخل، لذا سجّل وزير الخارجية المصري الجديد، محمد كامل عمرو، في الأول من آب (أغسطس) موقفاً متقدماً لكنه ضاع يومذاك في دوي القذائف المنهالة على حماه. دعا إلى الإسراع بحلٍّ سياسي للأزمة تجنباً لتدويلها، مشيراً إلى أمرين: أولهما أن الحلول الأمنية «لم تعد مجدية»، والآخر أن المنطقة العربية «لا تحتمل تدويلاً جديداً» (بعد ليبيا). بعد ذلك جاء الموقف الكويتي الذي حضّ على حوار وحل سياسي حقناً للدماء. ثم بيان مجلس التعاون الخليجي الذي استوحى بيان مجلس الأمن من دون أن يذهب إلى «إدانة» النظام السوري، وحاولت تعابيره القوية الموازنة بين النظام ومعارضيه، كما في دعوته إلى «وضع حدٍّ لإراقة الدماء، وإجراء الإصلاحات الجادة». لكن عدم إدانة النظام وتزكية دوره في الإصلاح لم يمنعا صدور «أسف» سوري ليس فقط لمجرد صدور البيان الخليجي وإنما خصوصاً لـ «تجاهله» الرواية الرسمية عن «جماعات مسلحة تقوم بأعمال قتل وتخريب». وعنى ذلك أن دمشق لم تشأ فهمَ مغزى البيان الخليجي، بل طالبت دول المجلس بإعادة النظر في موقفها، ولعلها تفهم أكثر بعد تصريحات الملك عبدالله بن عبدالعزيز واستدعاء الرياض سفيرها، إذ كان العاهل السعودي بالغ الوضوح في أن ما يرتكبه النظام ليس مقبولاً، وأنه هو من يتحمل مسؤولية دفع سورية في أحد التوجهين: الحكمة أو الفوضى.
قد يكون بيان الأمين العام للجامعة العربية أكمل كسر حلقة الصمت، على رغم أنه لم يخرج عن الحد الأدنى الذي تلتزمه الجامعة في حدود ميثاقها المهترئ، فليس متوقعاً من أمينها أن يفكر مثلاً في الاتصال بالرئيس السوري – كما فعل بان كي مون – ليلفته الى أن الكيل قد طفح وأن الحكومات العربية تعاني تململ الرأي العام لديها وغليانه. لكن، ماذا بعد هذا التغيير في الموقف العربي؟ إذا اعتبرته دمشق مجرد كلام لرفع العتب الدولي أكثر منه إيذاناً بالتحرك، وواصلت صمّ آذانها إزاء كل ما تسمعه من الخارج، على رغم أنها توشك أن تخسر آخر «الممانعين» في مجلس الأمن وآخر الصامتين العرب، فلا تغيير يرتجى، بدليل أن النظام تابع اقتحاماته المدن بغية إخضاعها. لكنه مضطر الآن لمراجعة حساباته، فالموقف العربي مؤشر لتحرك دولي أكبر وأوسع لـ «نبذ النظام» وقد يكون سحب السفراء عنوانه الأوّل. من شأنه أن يصرّ على معالجة أزمته بنفسه بل «الخروج منها أقوى»، لكنها واقعياً في صدد أن لا تعود «أزمته» وحده، فالمجتمع الدولي تريث كثيراً ومنحه كل الفرص التي يحتاجها لبلورة إصلاحات جادة، ولما تأكد أن المجازر هي الهدف بات يتعجّل التدخل بأي شكل وأي صيغة. فالسكوت يعني انتظار «المجزرة الكبرى» بل إتاحتها، وهي قد تعني ما هو أخطر: أزمة مفتوحة لا يبقى فيها من خيار أمام الشعب سوى اللجوء إلى السلاح والانخراط في حرب أهلية يتمناها النظام لاعتقاده بأنه سينتصر فيها وأنها ستعطيه «المشروعية» التي فقدها لمحاربة «الخارجين على القانون».
مشكلة الموقف العربي الرسمي أنه يُظهر متأخراً ما لم يعلن سابقاً أنه يؤمن به ويريده في شأن وقف العنف وإراقة الدماء، إذ حاذر آنذاك المسّ بحساسية النظام. مشكلته الأخرى أنه، بذهنيته الـ «ما قبل ربيع – عربية»، لا يزال مستنكفاً عن تقبّل ما «يريده» الشعب، ولا يزال متلبساً بما «يريده» النظام. مشكلته أيضاً أنه، حتى بعد كسره صمته، غير قادر على مباشرة مسؤولياته في إيجاد نهاية لهذه المقتلة وغير مهيّأ لمشاركة المجتمع الدولي في ضغوطه وعقوباته على النظام، كما أنه لا يملك «خلية أزمة» أو «لجنة للتوسط» أو حتى «لجنة حكماء»، وليس لديه تصور أو رؤية أو خطة أو نفوذ لوضع نظام دمشق أمام الحقيقة التي باتت بعيدة من تمنياته… في ذلك درس مؤلم ينبغي الأخذ به إذا كان للنظام العربي أن يخضع لاحقاً لجراحة إصلاحية مطلوبة وضرورية كي يتعصرن ويواجه أزماته ويعالجها من دون أي تدخل خارجي.
* كاتب وصحافي لبناني
“الحياة”




















