(رأي)
عقود طويلة من الظلم والاستبداد، حكمت فيها الأبوية السياسية المجتمع السوري، شهد فيها المجتمع تذريراً حقيقياً، وتنضيداً للمسافات الاجتماعية على أسس مذهبية وعرقية وطائفية، وهيمنت فيها الزبانية السياسية على المشهد السياسي السوري.
مثلت اللحظة الأولى للثورة التونسية – شاب عاطل عن العمل أهين فأضرم النار في جسده، وأحرق تاريخاً طويلاً من الخوف والوعي المقلوب- كما ظهرت على الشاشات مشهدية بصرية مكثفة بدتْ كلحظة تجلي للوعي وانقشاع للوهم ، كمّلتها مشهديات متتابعة ( مشاهد ميدان التحرير- سقوط حسني مبارك) جعلتنا نصدق أن الثورات العربية حقيقة وليست حلماً أو مؤامرة سياسية لفئة معينة أو لعبة سياسية دولية، ذلك أن القناعة الراسخة التي سادت بيننا كمثقفين ومواطنين أننا شعوب استسلمت للاستبداد وآثرت العيش ضمن تجمعاتها الفئوية على النسيج الوطني الجامع على أسس الديمقراطية والعدالة، ورحنا نتوسّل شتى مصطلحات قاموس الاستشراق عن أسلوب الإنتاج الآسيوي وعن حضارات الشرق القديمة التي لم تعرف قيم الديمقراطية، حتى بدّد الشباب أوهامنا حين خرجوا مطالبين بالديمقراطية والحرية ضد حكم العسكر والمخابرات.
لحظة الوعي هذه عبّرت عن جيل شاب جديد، وسرعان ما انتقلت عبر البلدان العربية كلها، وراح كل شاب تابع الثورة المصرية على الشاشات يستلهم المشهدية البصرية ذاتها، انطلاقاً من واقع اجتماعي- سياسي مشابه، وهكذا انقشع الوهم (وهم الشعوب الشرقية الهمجية غير المؤهلة لحكم نفسها) ، وسرعان ما فوجئنا بانفجار الثورة السورية، وبأسرع مما نتوقع ضد نظام هو الأشدّ دموية في الشرق الأوسط، وضمن بيئة سياسية واجتماعية هي الأشد تعقيداً من حيث تقسيماتها الطائفية والإثنية، والأكثر خضوعاً لتجاذبات السياسة العالمية، والقوى الإقليمية.
رغم كل ما رافق الثورة السورية من مثالب، ورغم يُتْم هذه الثورة وما جوبهت به من مجازر ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، أظهر الشباب السوري قدرة فائقة على الابتكار والتجديد، وصلابة عالية تعكس الوعي الجديد المرافق للثورات العربية حصّن الثورة حتى الآن من:
التنازل عن سليمة الثورة أو التدخل العسكري الخارجي – الانزلاق نحو الطائفية.
ولأن الأكراد جزء أساسي من هذه الثورة السورية، أودّ أن أكتب شيئاً من النقد الذاتي للحالة السياسية الكردية في سورية في استجابتها لمد الثورات العربية، ففيما شهدنا حضوراً شبابياً عارماً فرض نفسه ووجوده على الساحة السياسية السورية التي كانت خالية من أي حضور سياسي حقيقي ، ظهر صراع واضح في الوسط السياسي الكردي، بين مجموعات شبابية متفرقة تتوق إلى المشاركة في الثورة إيماناً بمبادئها ( الدولة الديمقراطية المدنية التي تعني سيادة القانون والمؤسسات والإقرار بالحقوق الثقافية للشعب الكردي) من جهة، وبين الأحزاب السياسية الكردية التقليدية التي تشتغل بنفس عقلية الإقطاع السياسي التقليدية، وتخضع لتأثيرات كبيرة من دول الجوار ( تحديداً تركية – شمال العراق) من جهة أخرى.
بذلت هذه الأحزاب جهدها لإيقاف الحراك الشبابي الكردي، وفرض الانعزالية على الحالة القومية الكردية – وهو أمر سبق أن اشتغلت عليه طويلاً في العقود الماضية – أو التعامل مع المعارضة السورية بمنطق المساومة، والانسياق حتى إلى الحوار السياسي مع السلطة السورية، الأمر الذي لم يتمّ حتى الآن لحسن الحظ، لكن نتيجةً لفاعلية الشباب وحماسهم وإصرارهم تفجّر الحراك الكردي، وفرض نفسه كشريك أساسي في الثورة السورية، غير أن تتالي مؤتمرات المعارضة، وعدم صدور شيء واضح بخصوص الحقوق الثقافية للشعب الكردي ( بغض النظر عن رؤيتي الشخصية للموضوع)، مكّن هذه الأحزاب من إنعاش الوعي الأقلوي المسكون بهواجس الخوف نتيجة عقود طويلة من سياسات التمييز العنصري والتهميش، وبدأت أصوات كثيرة ترتفع في الأوساط الكردية تردد نفس الحجج التي يسوقها النظام السوري:
” الإخوان المسلمون والسلفيون هم من سيحكمون سوريا وهؤلاء يحملون كرهاً تاريخياً تجاه الأكراد، المعارضة لا تريد التنازل عن عروبة الدولة مما يعني عملياً التنكر لحقوق الشعب الكردي” ، ساعد على ذلك بقوة ما حصل في مؤتمري المعارضة في تركيا، وهكذا أعيد إنتاج الحالة الحزبية القديمة (كعقلية انعزالية )، ووجدت لها منفذاً قوياً حتى ضمن الحراك الشبابي، ولحظة الوعي التي فرضت نفسها في الأوساط العربية حتى أصبحت واقعاً لا رجعة عنه، بدأت تهتز في الأوساط الكردية، بحيث أن الخرافة السياسية والتعاطي العاطفي في الطروحات السياسية عاودا الظهور، ولاحظنا مؤخراً تحركاً مشبوهاً في بعض المناطق الكردية من أحد الأحزاب السياسية الكردية لضرب الحراك بسلوك مافيوزي ( تشبيحي) بتهديد بعض الناشطين والاعتداء الجسدي على بعضهم الآخر بعد اختطافهم بحجة أنهم خائنون لشعبم وحقوقه القومية؟؟؟؟؟!!!!! وتوزيع بيانات تحمل نبرة التهديد والوعيد، وتخويف العائلات الكردية من مصير أبنائهم الذي ما يزالون سجناء في معتقلات النظام، والهدف طبعاً هو تجيير الحراك خدمةً لغايات حزبية صرفة، والأهم إسداء خدمات قيمة إلى النظام السوري الذي أثلج صدره أنه مازال هناك بين الأكراد من يقبل بتحويل أبناء شعبه إلى ورقة ضمن لعبة الأوراق التي أتقنها، ويمكن الاستفادة منه في ضرب الحراك الكردي، بالمقابل بدأت الأحزاب الأخرى تروّج لطروحات قومية متطرفة تسيء إلى الحراك الكردي، وتنثر بذور الشقاق في الثورة السورية ولا تخدم أحداً سوى النظام.
دعوتي هنا هي إلى الشباب الكردي المثقف لمن يشاطرني الرأي ولمن يختلف معي، لإنقاذ الحراك الشبابي الكردي من الحالة الانعزالية المتطرفة التي يتم العمل عليها من عدة أطراف داخلية و إقليمية، فإن كان هناك فصيل من المعارضة، يرفض الحقوق الثقافية للشعب الكردي والاعتراف بالأكراد كقومية أساسية في سوريا، فإن طرفاً سياسياً آخر دافع ومازال يدافع عن هذه الحقوق، والأهم أن الشباب السوري الذي يعمل على الأرض فخور بمشاركة الشباب الكردي في الثورة السورية ويقرّ بحقوقهم المشروعة، والوعي الشعبي البسيط تأثر بشدة بمظاهرات التضامن مع المدن السورية المحاصرة التي نظمتها تنسيقيات الشباب الكردي. دعونا لا نتعامل بأسلوب رد الفعل، ما تزال بعض الديناصورات تحاول الخروج من المتحف تحت يافطات مختلفة حقوقية- عروبية- إسلامية، ولكن لا مكان لهم في الواقع الجديد الذي تشكله ثورة الشباب.
ما نحتاجه كأكراد شيء من الحنكة السياسية، والتخلص من رد الفعل في الممارسة ومنطق القيل والقال – إما كل شيء أو لا شيء، والنقطة المركزية هي إنهاء تسلط الأبوية السياسية الإقطاعية حرصاً على حقوق الشعب الكردي المشروعة وحرصاً على الربيع العربي والسوري الذي أصبح واقعاً لا يمكن لأحد إنكاره.
عمار عكاش- كاتب كردي من سوريا




















