على الرغم من مرور حوالي عشرين سنة على الانقلاب الكبير الذي حدث في اوروبا الشرقية وأطاح احتكار الاحزاب الشيوعية للسلطة، الا ان آثار ذلك على المجتمعات لا تزال تتفاعل وتحدث نقاشات وخلافات بين الاحزاب السياسية حول تجربة الماضي وانعكاساتها على الحاضر.
صحيح ان الاحزاب الشيوعية التي كانت تحتكر السلطة راجعت اديولوجيتها وقدمت »نقداً ذاتياً» يتجاوز تلك الاديولوجيا وذلك بتقبل الرأي الآخر وتداول السلطة وتغيير اسم الحزب، مما أتاح لبعضها العودة الى الحكم عبر صناديق الانتخابات، الا ان تركة الماضي لا تزال تتفاعل اجتماعيا مع ما خلفته أجهزة المخابرات السابقة من ملفات كثيرة تطول معظم المواطنين. فالملفات تكشف مدى تغلغل تلك الاجهزة في المجتمعات ومدى اختراقها للنسيج الاسري حيث حولت او اجبرت كل مواطن ان يكون خفيراً على الآخر.
ونظراً لأن بعض المواطنين دفعوا ثمن ما كان يكتب عنهم بحق او دون حق في التقارير المرفوعة الى اجهزة المخابرات، حيث فقد بعضهم عمله وفقد بعضهم حريته لسنوات طويلة، فقد برزت حركة عامة تطالب بحق هؤلاء المواطنين وغيرهم ان يعرفوا ما كتب عنهم وليس من كتب عنهم ما كتب.
وقد تجاوبت بعض الحكومات تحت ضغوط هؤلاء الى تنظيم ذلك بقانون يضبط حق ضحايا النظام السابق في الاطلاع على ملفاتهم في اجهزة المخابرات السابقة دون ان يؤدي ذلك بالضرورة الى التعرف على »كتبة« التقارير الذين كانوا موجودين في كل مكان. ويشار هنا الى ان المانيا بعد وحدتها كانت سباقة في تقنين هذا الحق الجديد للانسان وفي تنظيم الاطلاع على ملفات الـ«ستازي« لمن يرغب في قراءة ما في ملفه الشخصي فقط دون ان يسمح له بتصوير اي شيء.
وكما في ألمانيا مع الـ«ستازي« كانت في ألبانيا ايضا كلمة الـ»سيغوريمي« تثير الفزع. وعلى الرغم من ان النظام السابق كما يقال تخلص من ملفات كثيرة خلال 1900 ـــ 1992 الا ان هذا الموضوع لا يزال يثير التوتر والخلاف بين الموالاة والمعارضة وبين المثقفين الالبانيين. ففي غياب قانون ينظم هذه الامور تحولت هذه الملفات الى كنز يتيح للبعض »صيد« الآخرين وابتزازهم سواء من المسؤولين السابقين او الحاليين.
وقد حاول الحزب الديموقراطي بعد ان فاز في انتخابات 1992 ان يصل الى توافق حول هذا الامر، ولكن تم تأجيل ذلك بعد ان وصل الحزب الاشتراكي (وريث الحزب الشيوعي) الى الحكم في 1997 وبقي في الحكم إلى 2005. وفي غضون ذلك فقد اثيرت ضجة كبيرة في ألبانيا حين قالت المعارضة إن نصف اعضاء البرلمان الجديد هم من عملاء الـ«سيغوريمي«, وإن الحكومة الاشتراكية الجديدة لا تريد لمثل هذا الموضوع او العبء المتراكم ان يحل لصالح الاستقرار في المجتمع.
ومع عودة الحزب الديموقراطي الى الحكم في 2005 اعاد هذا الموضوع الى اجندة البرلمان وقدم مشروع قانون جديد حول ذلك.. ويطالب الحزب الديموقراطي الآن، الذي يتمتع بالغالبية في البرلمان، ان ينص مشروع القانون على »حق كل مواطن في الاطلاع على ملفه لدى السيوغوريمي«, وذلك حسب النموذج الالماني في هذا المجال (جريدة »شكولي« 22-10-2008).
وهكذا مع تعميم النموذج الالماني سيتحول هذا الى حق من حقوق الانسان فيما كان يعرف سابقا بأوروبا الشرقية. ومن المأمول الآن ألا يقتصر هذا الحق على الانسان في اوروبا الشرقية وانما في كل مكان في العالم بما في ذلك العالم العربي الذي استنسخت بعض دوله »خبرة« الـ«ستازي« والـ«سيغوريمي« وغيرهما.
"المستقبل"




















