مَن تسنّى له متابعة الخطاب الأول لباراك أوباما فجر أمس، إثر فوزه في إنتخابات الرئاسة الأميركية، أدرك على الفور أن الولايات المتحدة مقبلة على تحوُّلٍ كبير، ومَن لم يتسنَّ له متابعته يجدر به قراءة الخطاب بتمعُّن، فمضمونه إذا أستُبدِلَت عباراته لتُصبح لبنانية، يمكن أن يُشكِّل خارطة طريق لكل مَن يريد الإنقاذ.
تعب الأميركيون من المغامرات والرهانات والرهونات، خاطبهم أوباما بأنهم ينامون على هاجس الحربين على العراق وأفغانستان، ويستفيقون على هاجس الإنهيار المالي والرهونات العقارية.
مصادفة ذات مغزى أن يأتي التحوُّل في أميركا بالتزامن مع إستحقاقين كبيرين في لبنان:
طاولة الحوار والعلاقة مع سوريا. في أميركا أول شيء فعله المتنافسان أن إتصل الخاسر بالفائز وهنّأه، فطُويت على الفور صفحة (القِتال) بين الجمهوريين والديمقراطيين لتُفتَح صفحة (حزب أميركا).
هذا المغزى كان يُفتَرَض أن تأخذ به طاولة الحوار، فالديمقراطية هي تداول السلطة وليس إستملاكها، أما النزاع على السلطة فديمقراطي تعقبه فوراً المصالحات.
المغزى الثاني هو في العلاقات بين الدول، أميركا تريد العودة إلى ذاتها لتقوِّم علاقاتها بسائر الدول، إذا كانت دولة عظمى مثلها تقوم بهذا الإختبار فكم حريٌّ بلبنان، الدولة الصغيرة أن تُقدِم على هذا الإختبار.
الإستحقاق الأقرب والأبرز هو العلاقة مع سوريا، يُفتَرَض ألا يكون في لبنان مَن يخاف من هذه العلاقة، فهي بين دولة ودولة، إذا كانت العلاقة سليمة، وهذا المفهوم هو ضمانة للجميع حتى لأولئك الذين يتبادلون العداء معها، لألف سبب وسبب ولألف ظرف وظروف فطاولة الحوار في طبعتها الأولى والتي انعقدت في آذار من العام 2006، أقرت العلاقات الديبلوماسية بين البلدين وبين الدولتين، وهذه العلاقة أبصرت النور الشهر الماضي على أن تتم ترجمتها هذا الشهر من خلال التبادل الديبلوماسي وتسمية السفراء.
لا يعني هذا الإنجاز أنه يتداخل مع الملفات العالقة، فهناك ترسيم الحدود بين البلدَين، ويجب أن يأخذ طريقه بصرف النظر عن خطوات التبادل الديبلوماسي وهناك مسار المحكمة الدولية الذي بلغ مراحله النهائية قبل الولوج إلى (مرحلة لاهاي)، هذا المسار منفصل عن كل المسارات الأخرى، فلا صفقات على حسابه ولا تسويات في شأنه ومجلس الأمن الدولي كان واضحاً في هذا المجال، واضعاً حدّاً لكل الإجتهادات وأحياناً التمنيات بتداخل المسارات.
ثمة مَن يُلمِّح إلى أن فتح ملف العلاقات اللبنانية – السورية يُحرِج النائب سعد الحريري، لكن وعلى عكس هذا الإنطباع فإن العودة بالذاكرة إلى أولى جلسات الحوار تُفيد بأن النائب الحريري كما كل الجالسين إلى طاولة الحوار، أيَّد العلاقات اللبنانية – السورية على قاعدة النديّة والإحترام المتبادَل بين الدولتين، وأن هذه العلاقات لا تُعيق إنطلاق المحكمة الدولية التي أجمعت عليها طاولة الحوار أيضاً.




















