كل من زار الولايات المتحدة في العشرين شهرا الماضية منذ اعلن باراك اوباما عن ترشيحه للرئاسة يعرف أن شيئا في الارض لم يعد مستقرا. الارض تهتز. الاحساس في الجو هو أن شيئا كبيرا يوشك ان يقع. الجيولوجيون يؤمنون بانه قبل الهزة الارضية القوية تعاني الارض من ضربات مسبقة، تعدها لـ "الضربة الكبرى". ولو كانت مؤشرات الهزات الارضية قادرة على ان تشخص الحراكات السياسية والاجتماعية، لكانت أكدت ما يدعيه المحللون منذ زمن بعيد: الولايات المتحدة تقف أمام هزة أرضية.
في مسعى يائس أخير لمنع التغيير الدراماتيكي في مسار الارض السياسية شدد مؤخرا جون ماكين ونائبته سارة بالين الهجوم الخطابي على اوباما. فهو ليس سوى ليبرالي متطرف، كما يحذران، يسعى الى احداث ثورة في نمط الحياة الاميركية. حتى الان لم يعطِ تحذيرهما أُكُله، على الاقل ليس حسب الاستطلاعات. يمكن أن نفهم لماذا: في محاولة لعرض اوباما كثوري، يتجاهل الثنائي الجمهوري الحقيقة البسيطة في ان يحتمل ان هذا بالضبط ما يسعى الناخبون الاميركيون للحصول عليه هذا الاسبوع.
في الاسابيع الاخيرة صعّد الجمهوريون النار. ماكين توج سياسة اوباما بأنها "اشتراكية"، حذر من خططه لـ "اعادة توزيع الملكية" وهاجم ميله لادارة "سياسة خارجية خطيرة"، تستند الى الديبلوماسية المبالغ فيها. في المهرجان الذي عقدته الاسبوع الماضي بالين في بنسلفانيا اكدت الرسالة وألمحت الى أن اوباما يسعى الى اعادة كتابة الدستور الاميركي وفي نيته السيطرة على المحكمة العليا. وناشدت الجمهور بانه "يجب حماية منظومتنا السلطوية".
على الرغم من حماستها البارزة ناهيك عن رد فعل الجمهور الحماسي، فوتت بالين مرة اخرى، تماما مثل ماكين المشكلة الاساس التي تقف امام الحملة الجمهورية. يوجد جمهور واسع في الولايات المتحدة – يحتمل أن يتبين يوم الثلاثاء بانه الغالبية – لا يريد ان يحافظ على المنظومة السلطوية الحالية. العكس هو الصحيح: ملايين الاميركيين الذين يئسوا من الحروب الفاشلة في العراق وفي افغانستان، من الفضائح السياسية على نمط جاك امبرسوف، والاهمال الحكومي في معالجة اعصار كاترينا وبالطبع الازمة المالية الاخيرة، ليسوا مستعدين لمزيد من التعديلات التدريجية التي يقترحها ماكين. وهم يريدون شيئا أكثر تطرفا. يريدون ثورة.
ثورتان سياسيتان وقعتا في الولايات المتحدة في القرن العشرين. الاولى وقعت في 1932، والثانية في العام 1980. الباحثون السياسيون يفضلون تسمية الحملات الانتخابية المؤسسة تلك بانها "اعادة تصميم الخريطة" (realignment). يدور الحديث عن حدث دراماتيكي، جزء مهم من جمهور الناخبين يقرر اجتياح الخطوط وتغيير الحزب في البيت الابيض وفي المجلسين بضربة واحدة. وان شئتم، فان هذا الامر هو الاقرب الى الثورات الحقيقية التي تسمح الديموقراطيات بها بنفسها: فهي تنتج تعديلات دستورية بعيدة الاثر، ولكنها تتوقف قبل نقطة قريبة من المرحلة التي يفقد فيها احد ما رأسه.
عشية التحول في العام 1932 حذر الرئيس هيربرت هوفر من أن خصمه الديموقراطي فرنكلين روزفيلت يروج لـ "فلسفة تتعارض والتقاليد الاميركية". بعد 48 سنة من ذلك كان هذا الرئيس جيمي كارتر الذي كرر الخطأ حين حذر من أن خصمه الجمهوري رونالد ريغان يتصرف بذات الطريقة. هوفر وكارتر هزما، وليس صدفة. ففي جمودهما الفكري فشلا في أن يفهما بانه في اوقات الازمة فان آخر شيء يسعى اليه الناخبون هو الحفاظ على التقاليد. بالعكس: كلما كان الحاضر اسوأ، تعاظمت الارادة لخلق مستقبل جديد، مغاير. واذا لم يسارع ماكين لان يفهم هذا فمن المعقول الافتراض بان هو ايضا سيسير في أعقاب المرشحين الذين لم يتمكنوا من أن ينصتوا الى الارض كي يشعروا بالضجيج المقترب.
("معاريف" ترجمة "المرصد" – رام الله)
"النهار"




















