صنع الاميركيون التاريخ الثلثاء عندما اختاروا باسم التغيير وبدء حقبة جديدة رئيساً شاباً اسمه باراك حسين اوباما، كان مغموراً قبل سنتين، ليصير السياسي الاول في تاريخ الغرب يرئس اقوى دولة في العالم. وقد "جازف" الاميركيون مجدداً، كما فعلوا مراراً في تاريخهم وانتخبوا رئيساً كل ما في تاريخه وسجله لا يوحي بأنه يمكن ان يقود الولايات المتحدة، وان يكون عهده مفصلياً فعلاً، كما فعلوا حين انتخبوا ابرهام لينكولن الذي انقذ الاتحاد الفيديرالي وصانه بعد حرب اهلية مروعة، او فرانكلين د. روزفلت الذي اخرج البلاد من "الركود الاقتصادي الكبير" في عقد الثلاثينات من القرن الماضي، او جون ف. كينيدي وهو اصغر رئيس واول كاثوليكي اراد ان يعطي اميركا دوراً ريادياً في العالم، او رونالد ريغان الذي حملته حركة سياسية محافظة الى السلطة ليقود جهاداً جديداً ضد الشيوعية.
لانتخاب اوباما اسباب كثيرة، اهمها توق الاميركيين الى التغيير وبدء مرحلة جديدة يتخطون فيها احباطهم الراهن بسبب ما يرونه انحساراً للنفوذ السياسي والاقتصادي لاميركا في العالم، والذي جسدته الازمة المالية الخانقة التي ستهيمن على العهد الجديد.
وانتخاب اوباما كان بمثابة نبذ لولايتي بوش، ومعها بعض المسلمات الاقتصادية والسياسية التي جلبتها ورسّختها لوقت طويل الحقبة الريغانية في 1980. حقيقة ان الحروب التي بدأها بوش في افغانستان، وخصوصاً "حرب الخيار" في العراق، والطريقة التي اديرت فيها "الحرب على الارهاب"، والثمن الباهظ الذي دفعته اميركا في هذه الحروب، كانت من الاسباب التي دفعت الاميركيين الى الرهان على مرشح شاب كان مصيباً في تقويمه وفي شجاعته حين سبح عكس التيار وعارض الحرب في العراق.
اوباما كان المرشح الاول الافريقي الاصل، لا يطرح نفسه مرشحاً اسود ظلّ اسيراً لمسلمات حركة الحقوق المدنية كما فعل من قبله جيسي جاكسون، بل مرشحاً يمثل جيلاً جديداً من السياسيين الديموقراطيين الواقعيين، القادرين على التحرر من بعض المسلمات "الليبرالية" التقليدية التي اثقلت المرشحين الديموقراطيين في السابق. ولذلك لم يكن مستغرباً عندما بدأ رحلته الانتخابية الطويلة، ان يتهمه بعض "الطاهرين" في الحزب بأنه ليس ليبرالياً ما فيه الكفاية، او ان يتساءل بعض السياسيين او الناشطين ذوي الاصل الافريقي عما اذا كان اوباما "اسود ما فيه الكفاية". وهذه كانت من المزايا التي جعلته جذاباً لفئات اجتماعية مختلفة.
صنع اوباما التاريخ اولاً عندما رشحه الحزب الديموقراطي، وهو اقدم حزب سياسي في الغرب، لمنصب الرئاسة. ولاوباما مواهب واضحة: ادبية، كما يتبين من كتابين مؤثرين، وسياسية، كما يتبين من قدراته التنظيمية وذكائه الحاد الذي ساعده على قراءة "المزاج" الوطني للاميركيين في هذه المرحلة الحرجة. وهو يملك تلك الصفات التي تصنع القادة المفصليين: الحكمة، والاتزان والصبر والثقة القوية بالنفس التي لا تبلغ حد الغطرسة.
لكن ثمة سبباً آخر يفسر ظاهرة اوباما، هو التغيير الجذري والعميق الذي شهده المجتمع الاميركي خلال العقود الاربعة الاخيرة، في رحلته الطويلة المضنية، المؤلمة والواعدة منذ لحظة اغتيال قائد حركة حقوق المدنية في الستينات من القرن الماضي القس مارتن لوثر كينغ، الى حقبة اوباما، عندما انحسر عامل العرق في السياسة الاميركية بتركته التمييزية البشعة، وان يكن لا يزال حياً في بعض النواحي المظلمة والتي تتضاءل باستمرار في الذاكرة الجماعية الاميركية. الملايين من الاميركيين الشباب عندما ينظرون الى اوباما لا يرون فيه اولاً لون بشرته، الذي يهمّهم بالقدر الذي تهمهم فيه نحافته او صوته العميق. انتخاب اوباما رئيساً للولايات المتحدة سيتيح للاميركيين ان يتبجحوا بعض الشيء، وان يقولوا للمجتمعات المختلطة الاخرى وخصوصاً في الديموقراطيات الغربية، ان باراك حسين اوباما رئيساً ممكن فقط في اميركا وليس في فرنسا او المانيا او بريطانيا… او في بقاع كبيرة من العالمين العربي والاسلامي.
واشنطن – من هشام ملحم




















