يحتاج الانقلاب الأبيض الذي قاده الشعب الأميركي، أول من أمس، بتنصيبه سياسياً أسود، رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، الى قراءة متروية… ورؤيوية.
باراك أوباما، الذي أحيا الحلم الأميركي، هو نقيض المهللين به، فلو كان في الجمهورية »الملكية »السورية، لكان عاملاً يئن من شظف الحياة، في لبنان. لو كان في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكان واحداً من الملايين التائهة في العالم تفتش عن »أوكسيجين« الحرية. لو كان في الجمهورية اللبنانية لكان يحمل حقائب الهجرة من وطن لا تنتهي فيه حروب الكرامات والانتصارات.
الرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة الأميركية، الذي ينشد التغيير، لم ترفعه دبابة الى مصاف »الآلهة«، ولم يخض حروباً في السماء ليسيطر على الأرض، ولم يحلّق على جناحي الديموقراطية ليُغذي الديكتاتورية، ولم ينتفض على غوانتانامو ليُكرّس صيدنايا وشقيقاتها العربية، ولم يستقطب المثقفين والفنانين ليتستر على منع سفر عمر أميرالاي واعتقال قادة إعلان دمشق، ولم ينشد العدالة ليبرم صفقة على حساب دماء شهداء الحرية والاستقلال في لبنان.
هذا الأسمر الذي امتحن الاعتدال الأبيض، أسقط حجج التطرف الذي يُغذي التطرف، معه لا مكان لحروب الآلهة على الأرض. جورج بوش كان يسمح لمحمود أحمدي نجاد أن يتحدث عن إرادة الله التي ينفذها، والعودة الثانية للمسيح كانت تجيز وضع السياسة في خدمة عودة المهدي، والمحافظون الجدد كانوا يبررون البن لادنية.
وبهذا المعنى، فإن الولايات المتحدة الأميركية لم تُحوّل إبن مهاجر كيني الى سيّد على البيت الأبيض، ليكون حصانة الديكتاتوريات والقتلة والمتطرفين.
ومن يُدقق بخطاب النصر في شيكاغو، لا يستذكر أياً من أدبيات هؤلاء المهللين لرحيل بوش، ممن يريدون حرق الأخضر واليابس، وتدمير الأرض على رؤوس بشرها. كان نقيضهم تماماً فيما بوش كان شبيهاً لهم.
لم يكن باراك أوباما واقعياً في شيء. بدا حلماً يصمم على أن يتجسد حقيقة. هو الحلم بعظمة الولايات المتحدة الأميركية، التي لا تنسى بيرل هاربور، وليس بعودتها الى الإنعزالية. هو الحلم بإنجاز التغيير على كل المستويات، حيث لا يمكن نسيان مارتن لوثر كينغ، ولا غزو الفضاء، ولا سقوط حائط برلين. هو الحلم بأن تستقيم كلمة التغيير الحاسمة على امتداد الكرة الأرضية، على اعتبار أن قوة الولايات المتحدة الأميركية التي يريدها الرئيس المنتخب، تتخطى قوة الترسانة العسكرية، لتستخدم الإبداع في كل شيء.
مع باراك أوباما لم يتغيّر الجوهر… لقد تغيّر الشكل.
لم يسقط طموح الدولة الأقوى… بل يتم التفكير بالطريق الواجب سلوكه.
لم تتعدّل آليات صنع القرار… بل أسلوب منفّذ القرار.
لم تتهاو استراتيجية ما بعد الحادي عشر من أيلول… بل تكرّست.
لم يُصبح »حزب الله » قوة تحريرية… بل أعطي فرصة جديدة للتخلي بسرعة عن »الإرهاب«.
لم تتحوّل إسرائيل الى كيان يجب اقتلاعه… بل أخذت مزيداً من الوعود لتبقى هي الأقوى في هذا الشرق الأوسط الملعون. تغيّر لون سيد البيت الأبيض، ولكن لم تتغيّر وظيفة »حق النقض« في مجلس الأمن الدولي.
بانتخاب باراك أوباما جددت الولايات المتحدة الأميركية خلاياها وشبابها، فأعطت نفسها فرصة جديدة للانقضاض بطريقة جديدة، فمن الحجارة التي هدمتها سنوات جورج بوش الثمانية سوف يبني خليفته، هذا الطموح الأميركي الموحّد.
هي واشنطن الجديدة، تُرسل الى العالم رسالة اعتدال، فهل من سيتلقفها، أم ثمة من سيحاول اللعب عليها، لإعادة منطق الصقور الى الواجهة، ففي الأنظمة الديموقراطية، بما فيها تلك الفاسدة، لا تموت الأفكار بل تنحني حتى مرور العاصفة؟
وبهذا المعنى، هل هناك بن لادن ما، سوف يجعل من باراك أوباما نسخة طبق الأصل عن جورج بوش الخارج؟ وهل هناك من سيرقص في فلسطين على الوتر الإسرائيلي، ليدفن مهمة أنطوني زيني الجديدة التي أرادها بوش لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في مطلع ولايته، في مهدها؟ وهل هناك من الناحية اللبنانية من سوف يرقص مع الشيطان الإسرائيلي حتى يتفوّق اللاهث الى الحرب، بنيامين نتنياهو، على طارحي التسوية؟ وهل هناك أنظمة سوف تستغل إرادة التغيير الأميركية، من أجل أن تُعيد بسط نفوذها الظلامي، على جاراتها المستقلات؟
ثمة شيء تغيّر في الولايات المتحدة الأميركية، صحيح، ولكن الأصح أن التغيير لا يكتمل في مكان إذا ما انحصر فيه، فالاعتدال الذي يُقابل بتطرف يتحوّل إلى تطرف يهدف الى شطب كل تطرف آخر، على اعتبار أن الاعتدال قابل بطبيعته للتعايش مع الاعتدال، في حين أن التطرف يستحيل أن يعيش إلا بالصراع مع التطرف.
حالياً، دخل العالم حقبة جديدة، هي حقبة »جس النبض«.
في القريب العاجل، ثمة خوف من مرحلة البطة العرجاء في مركز القرار الأميركي. الكل سيحاول أن ينتظم في قاعة الانتظار، لئلا يتكفّل جورج بوش الخارج الى المذكرات، بمهمة تفيد أوباما من دون أن تكلفه شيئاً. وفي الآتي، الكل سيحاول أن يُطلق بالونات الاختبار لجس نبض الإدارة الجديدة، لعله يستعيد ملكاً فقده، ولبنان سيكون في قلب المحاولة السورية.
وعلى المستوى اللبناني بالتحديد، شيء واحد يبدو خارج دائرة القلق: المحكمة الدولية.
ففي حقبة الانتظار تخفت لعبة الصفقات التي تتغذى عادة من موائد المبادئ. حقبة الانتظار لن تنتهي قبل أن تبدأ المحكمة الدولية مسيرتها.
وعدا ذلك الإطمئنان الى طبيعة المراحل الانتقالية، فلا يستقيم رهان على إدارة أميركية جديدة ولا يجوز الخوف منها، لأن البقاء للأصلح والأقوى، فالديموقراطية إن أنجبت »سلالة استقلالية« كان به… ولكن إن أعادت استنساخ أقنعة الوصاية، فلا أوباما الغد ولا بوش الأمس، بإمكانهما أن يمنعا شعباً من الانتحار.
""




















