لا بد من الاعتراف للأميركيين بالريادة. لا بد من الإقرار بأنهم يسبقون العالم في كل شيء تقريبا. فعمر الولايات المتحدة لا يزيد على قرنين وربع القرن، وعلى رغم ذلك شهدت في تاريخها القصير، وبشكل مكثف، مختلف المخاضات القاسية التي مرت بها الحضارات والقوى العظمى الاخرى، ولا سيما اوروبا، لتخرج منها بانتصار رائع للمواطن الاميركي خصوصاً، وللانسانية عموماً، على العنصرية والتمييز بين الاعراق، ولتجيء برئيس أسود، خشبة خلاص من مرحلة شابتها الفوضى والارتباك في السياسة والاقتصاد والنظرة الى العالم.
اختيار باراك اوباما رئيساً لأكبر قوة في التاريخ هو قبل كل شيء انتصار الاميركيين على ذاتهم، قبولهم بالآخر المختلف في اللون والافكار والجذور والمعتقَد. انتصار لمبدأ المساواة في الفرص الذي قامت عليه الحضارة الاميركية وعانت كثيرا الى ان ثبتته فعلا مقروناً بالقول. انتصار على مفهوم الاكثرية والأقلية التقليدي، ذلك ان نسبة الاميركيين البيض بلغت 79.96 في المئة في احصاءات العام 2007 في مقابل 12.85 من السود.
لم يسبق أحد، حتى في اوروبا المتحضرة والملتزمة حقوق الانسان، الاميركيين الى قهر نزعة التفوّق القائم على العرق، وتغليب المبادئ السياسية والمفاهيم الاقتصادية على لون الجلد او بلد المنشأ. خرج الاميركيون، بيضاً وملونين، الى الشوارع للاحتفال بقائدهم الجديد من دون عُقد ولا تحفظات، ومحوا في طريقهم كل الصور البشعة عن ايام العبودية والاضطهاد والتمييز العنصري، فتفوقوا على ذاتهم وعلى العالم.
ما يتوقعه الاميركيون والعالم من «المخلص» الذي اكتسح الطريق الى البيت الابيض أمس كبير جدا، وربما مبالغ فيه، بسبب المعاناة التي استمرت ثماني سنوات مع جورج بوش، وكانت امتدادا لمفاعيل «ثورة» رونالد ريغان المحافظة التي قسمت العالم الى شطرين اسود وابيض، وصنفته في معسكرين خيَّر وشرير.
قد يكون مطلوبا من الرئيس الجديد بذل جهود جبارة ومتواصلة وطويلة الأمد لإصلاح الداخل الاميركي، لا سيما في الاقتصاد، بعدما اظهرت الازمة المالية هشاشة المؤسسات وسرعة تداعيها، لكن هذا لا يعني انه يمكن ان يسمح لنفسه بعزل بلاده او حتى التفكير في ذلك. فالولايات المتحدة التي تحول العالم الى قرية كونية صغيرة بفضل تقدمها التكنولوجي والعولمة التي ابتكرتها وساهمت في نشرها، لا تستطيع الآن التخلي عن دورها. فالعالم بحاجة اليها وهي بحاجة اليه، وهناك ملفات مهمة مفتوحة تنتظر البت فيها او اعادة النظر في مقاربتها، لا سيما في منطقتنا، حيث العراق النازف الذي يحاول القيام من رماده، وفلسطين المظلومة التي تُقزم قضيتها وتُدفن في التفاصيل، ولبنان المنقسم والمهدد منذ تمرد على «حق الشفعة»، وايران المغلوبة على أمرها والمكبلة بنظام يفضل الانشطار النووي على رغيف الخبز.
وأياً تكن المآخذ المتراكمة على السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، من انحيازها الدائم لاسرائيل وعدوانيتها، الى تورطها في حرب عبثية في العراق لا يسهل الخروج منها، وصولاً الى السطحية والصلف في التعامل مع الارهاب وجذوره، ومع ان أي رئيس اميركي لا يستطيع الابتعاد كثيراً عن الحدود التي ترسمها مصالح بلاده الاستراتيجية، فإن اوباما الذي جاء باسم التغيير يستحق ان يُعطى الفرصة الكافية لإثبات انه مختلف.
"الحياة"




















