عندما حدث السقوط المدوي لبعض المؤسسات المالية الأميركية الكبرى في منتصف شهر سبتمبر الماضي، ثم توالى سقوط بنوك أو مؤسسات مالية، واحدة بعد الأخرى، حدث ما كان لابد أن نتوقعه، وهو تسابق خصوم الرأسمالية إلى إعلان سقوط النظام الرأسمالي، إذ اعتبروا ما حدث دليلا قاطعا على صحة ما كانوا يقولونه دائما: «الرأسمالية نظام سيئ، والاشتراكية أفضل منها، والعالم لابد أن يكون مقبلا على تصحيح خطأه».
قرأت هذا المعنى في تصريحات ومقالات عربية وأميركية وأوروبية، ولابد أن نفس المعنى قد تكرر في كثير مما نشر في مختلف أنحاء العالم، فالعداء للرأسمالية ظاهرة شائعة، وقد قدمت الرأسمالية بالفعل طوال أكثر من قرنين، أسبابا وجيهة لنقدها والسخط عليها. المدهش مع ذلك أن هؤلاء النقاد العتاة للرأسمالية لا يريدون أن يتعظوا، أي أن يتعلموا من التاريخ.
فمنذ أن تنبأ كارل ماركس قبل حوالي قرن ونصف، بسقوط الرأسمالية وحلول الاشتراكية محلها، دأب أتباعه، بل وكثير من غير أتباعه من الاشتراكيين، على توقع سقوط وشيك للرأسمالية، وكأن نبوءة ماركس على وشك التحقق.
فكلما مرّت الرأسمالية بضائقة، أزمة مالية كانت أو كساد اقتصادي، أو إضرابات للمطالبة بزيادة الأجور أو حتى مظاهرات ضد العولمة.. الخ، قال هؤلاء المعادون للرأسمالية إن سقوطها أصبح قاب قوسين أو أدنى، وأنه لن يمر وقت طويل قبل أن نسمع بانتصار الاشتراكية.
تكرر هذا القول عندما وقعت أحداث سبتمبر الماضي ورغم أن هذا القول ليس بجديد فإني وجدته مدهشا مثلما وجدت أمثاله من قبل، وذلك لأكثر من سبب.
فأولا: ليست هذه المرة الوحيدة التي تدخل فيها الرأسمالية في أزمة شديدة ثم تخرج منها. لقد أحصى صندوق النقد الدولي منذ وقت قريب، عدد ما وقع من أزمات مالية في العالم الرأسمالي خلال الثلاثين عاما الماضية فوجده يفوق المئة.
وأحصى بعض المؤرخين الاقتصاديين عدد الأزمات التي مرّ بها الاقتصاد الأميركي فوجدها بمعدل أزمة كل ثماني أو تسع سنوات، ولكن الرأسمالية فيما يظهر، تنهض في كل مرة من كبوتها وتواصل المسيرة. فلماذا لا نتعلم من التاريخ؟ صحيح أن الأزمة الحالية تبدو أشد من كثير مما سبقها، ولكن حتى أزمة ؟؟؟؟ وما تلاها من الكساد، استطاعت الدول الرأسمالية تجاوزها، وحققت معدلات نمو عالية جدا في ربع القرن التالي لانتهائها.
وثانيا: حصل النظام الرأسمالي على صكّ بالغ القوة لإثبات قدرته على الاستمرار، عندما أصاب النظام الاشتراكي ما أصابه في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن العشرين، أي منذ نحو عشرين عاما. كان السقوط المدوي لحائط برلين في ؟؟؟؟، والذي تلاه سقوط نظام بعد آخر من النظم الاشتراكية في شرق أوروبا، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي، شيئا يشبه تقديم الاعتذار من جانب الاشتراكيين إلى خصومهم، ونكوصا من جانبهم عما زعموه من أن المرشح للسقوط هو النظام الرأسمالي، وأن المرشح للبقاء هو الاشتراكية.
كان لينين، الذي بنى في روسيا أول دولة اشتراكية في سنة ؟؟؟؟، قد ألف كتابا في مطلع القرن بعنوان «الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية» متنبئا بأن هذا التطور الذي تمّر به الرأسمالية سوف ينتهي بحلول الاشتراكية، وينتهي بهذا إلى الأبد استغلال الإنسان للإنسان.
فكم كانت سخرية التاريخ قاسية، عندما سقط النظام الاشتراكي بعد قيامه بسبعين عاما، وحل محله نظام أقرب إلى الرأسمالية منه إلى أي نظام آخر، وكأن ما حدث هو على عكس نبوءة لينين، أن «الرأسمالية أعلى مراحل الاشتراكية!».
وثالثا: أن مفكري الرأسمالية لم يبنوا دفاعهم عن الرأسمالية فقط على أساس إنكارهم لوقوع الأزمات بين الحين والآخر. لقد اعترفوا بوقوعها، بل كانوا على استعداد للاعتراف بأن وقوع الأزمات الدورية من طبيعة النظام الرأسمالي نفسها. ولكنهم فقط هوّنوا من شأنها، فذهبوا إلى أن النظام الرأسمالي قادر على تصحيح نفسه بنفسه، وأن قوى السوق، متى تركت حرة، كفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها، إذ إنها تولّد بذاتها العلاج الكفيل بالقضاء على المرض.
بل لقد ذهب أحدهم إلى وصف ما يحدث خلال أزمات الرأسمالية بأنه من قبيل «التدمير الخلاّق» (Creative Destruction)، إذ إن الأزمة تضطر المشروعات الفاشلة إلى الخروج وترك حلبة المنافسة للمشروعات القادرة، بدليل صمودها للأزمة، فكأن الرأسمالية تجدّد نفسها كل فترة، فتزيل ما علق بها من أعشاب ضارة، لكي تستمر بعد هذا في النمو والتجديد.
إن المدافعين عن الرأسمالية يمكنهم الآن، كما كان بإمكانهم من قبل عند وقوع أي أزمة سابقة، أن يقولوا: نحن لم ننكر قط أن الأزمات الدورية ظاهرة لصيقة بالرأسمالية. بل ونعترف أيضا بأن النظام الاشتراكي الذي تتحكم في ظله الدولة في كل قرارات الإنتاج والتسعير والتوزيع، قد يستطيع تجنب الأزمات المالية والاقتصادية (إذا استطاع أيضا أن يقلل إلى الحد الأدنى من علاقاته بالعالم الرأسمالي).
إن الأزمات ثمن علينا دفعه في ظل الرأسمالية، ولكنه ثمن (هكذا يمكنهم أن يقولوا) نحن على استعداد لدفعه في سبيل الحصول على مزايا الرأسمالية : وهى تشجيع الابتكار والتجديد المستمرين، ومن ثم جعل الحياة أكثر ثراء وتنوعا وأقل كآبة. ناهيك عن أن الحريات السياسية أكثر توفرا، في العادة، في ظل النظام الرأسمالي منها في غيره.
أما خصوم الرأسمالية العقلاء، فعليهم أن يعترفوا بأن رفضهم للرأسمالية لا يعتمد أساسا على تكرر الأزمات المالية والاقتصادية، بل يستند إلى أشياء أخرى، تتعلق بتوزيع الدخل، أي باتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، كما يستند إلى ما قد يسببه إطلاق الحرية لقوى السوق من أضرار بالحياة الاجتماعية والثقافية.
إذا كان كل هذا صحيحا فإن الأزمة المالية التي بدأت في الشهر الماضي، لا تحسم في الحقيقة الخلاف بين أنصار الرأسمالية وأنصار الاشتراكية. فمازال الخلاف قائما، وسيظل محتدما، أيا كانت النتيجة التي ستسفر عنها هذه الأزمة.
كاتب مصري : sgsaafan@aucegypt.edu




















