عام 1947 أقر برنامج جورج مارشال لتقديم المعونات المالية والنفطية والتقنية الاميركية الى البلدان الاوروبية من أجل مساعدتها على تجاوز اضرار الحرب العالمية الثانية والخراب الناتج منها.
بلغت قيمة المعونات 15 مليار دولار قدمت الى جميع بلدان اوروبا الغربية، ما عدا اسبانيا التي لم تحظ بمعونة لان الجنرال فرانكو كان مؤيدا للفاشيين وأبقى اسبانيا خارج دائرة الحرب لانها كانت لا تزال تعاني نتائج حربها الاهلية.
وقد خصص هذا المبلغ المشار اليه، نقداً او منتجات صناعية أو مشتقات نفطية، لإعانة البلدان الاوروبية على مدى أربع سنوات. وخلال عقدين كانت البلدان الاوروبية تنعم بالازدهار وتنوع الانتاج، كما كانت بدايات السوق الاوروبية المشتركة قد تجلت. ومما لا شك فيه ان برنامج مارشال لإعانة الدول الاوروبية ساهم في ارساء قواعد التفاعل والتكامل الاوروبيين اقتصادياً مع توجه الى تحرير التجارة البينية.
واستناداً الى الكتاب الاخير لفريد زخريا "العالم ما بعد أميركا" الصادر عام 2008، يساوي مبلغ الخمسة عشر مليار دولار الذي خصص لإنعاش هذه البلدان الاوروبية، أي فرنسا وايطاليا والمانيا والنمسا وسويسرا وهولندا ونروج والدنمارك واسوج والبرتغال واليونان، 100 مليار دولار بالقيمة الشرائية اليوم.
بالمقارنة، نجد ان أسوج، البلد المتقدم اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً والذي اضطر الى انقاذ قطاعه المصرفي عام 1998، أي قبل عشر سنين، ارتأى اليوم تخصيص 144 مليار أورو أو 185 مليار دولار لمعالجة أوضاع مصارفه والحيلولة دون سقوط البلد في هاوية الكساد، الامر الذي يؤدي الى اقفال المؤسسات والمصانع وتوسيع البطالة.
ان المقارنة بين فاعلية برنامج مارشال لإعادة اعمار أوروبا بما يساوي 100 مليار دولار بالقيمة الحالية، وما تحتاج اليه اسوج، التي تمثل ثلاثة في المئة فقط من سكان أوروبا برنامج مارشال لكي تتجاوز تحول ازمة الانكماش التي اصابت اوروبا ازمة كساد تسود العالم، تبين ضخامة الازمة الحالية وتبعث على التساؤل عما إذا كان الحل بالفعل آتياً أم مؤجلا الى ما بعد الكساد.
لا احد يستطيع ان يحصر مقدار التزامات الدعم والتسييل التي توافرت حتى تاريخه. وليس ثمة تصور متكامل لإقرار نظام نقدي عالمي جدي يحل محل اتفاقات "بريتون وودز" التي تعدلت بتعليق نظام التبادل الذهبي عام 1971 بقرار من ادارة الرئيس ريتشارد نيكسون.
كثيرون يقولون عن حق ان الولايات المتحدة فقدت في القرن الحادي والعشرين صورة القائد المنزه والساعي الى الخير، ومقولة وزيرة خارجية الولايات المتحدة مادلين اولبرايت خلال الولاية الثانية للرئيس بيل كلينتون، "نحن البلد الاساس للنظام العالمي، ونحن اصحاب النيات الحسنة"، لم تعد هي بالفعل صورة الولايات المتحدة بعد ولايتين لجورج بوش الابن.
لقد علقت الولايات المتحدة منذ عام 1998 اجراءات التحقق من طبيعة موجودات المؤسسات المالية الرئيسية والتزاماتها، أكانت مصارف استثمارية، أم مؤسسات ضمان عقارية، أم صناديق تحوط، أم حسابات عقود مستقبلية في اسواق البورصة، الخ. وليس غريبا تالياً ان تظهر خسائر اوجبت الالتزامات الآتية حتى تاريخه:
700 مليار دولار لشراء ديون صعبة من المصارف.
420 مليار دولار لضمان صناديق النقد التعاضدية.
300 مليار دولار سيولة من المصرف المركزي.
115 مليار دولار اعانة لشركة "أميركان انترناشونال غروب" للتأمين.
150 مليار دولار لتنشيط الدورة الاقتصادية.
هذه الالتزامات وحدها تتجاوز التريليون والثمانمئة مليار دولار، كما ان الالتزامات حيال مؤسستي ضمان الاقراض المنزلي "فاني ماي" و "فريديريك ماك"، في حال تعثر 10 في المئة من القروض المضمونة، ستضيف اليها 650 مليار دولار، والحبل على الجرار.
يبدو الوضع في أوروبا الغربية، التي انزلقت مؤسساتها الى مستنقع الاسواق والمنتجات الاميركية، أكثر حراجة لان الاقتصاد الاوروبي هو حصيلة اقتصادات متعددة ومتنوعة ومتفاوتة المستويات. ولم يكن مستغرباً ان تبرز معالم الازمة في أوروبا أولاً في البلدين الاكثر التصاقا بالاقتصاد الاميركي، أي بريطانيا و ايرلندا. ان ازمة مصرف "نورث روك " في بريطانيا التي أوجبت تأمين 52 مليار جنيه لتأميم خامس اكبر مصرف مختص بالاقراض العقاري، ظهرت في آب 2007. ورئيس وزراء ايرلندا كان قد اعلن ان بلاده تعاني الانكماش منذ أوائل 2008، ومعلوم ان ايرلندا حققت أعلى معدلات للنمو في أوروبا في السنوات العشرين المنصرمة وصارت المركز الرئيسي للشركات الاميركية العملاقة المختصة بإنتاج برامج الكومبيوتر والاتصالات الدولية، والعمل المصرفي، وتمويل تأجير الطائرات، الخ.
وبعد انكلترا وايرلندا، شبكت سويسرا نشاطها المصرفي بالمنتجات الاميركية المهندسة بشكل معقد لا يفهمه أي مستثمرِ. وشهدنا تاليا أكبر خسارة مادية لمصرف أوروبي تتجلى في مصرف "اتحاد المصارف السويسرية" الذي خسر من أموال مودعيه وأمواله الخاصة حتى تاريخه أكثر من 50 مليار دولار، وسرح 20 الف موظف، وكان نصف عمل المصرف مركزاً في الولايات المتحدة.
من مراجعة سريعة لتسهيلات المصرف المركزي الأوروبي والمصارف المركزية في البلدان الاوروبية، تظهر ضخامة الازمة النقدية العالمية: – 300 مليار أورو من المصرف المركزي الاوروبي.
– ما يعادل 600 مليار أورو مخصصات الحكومة البريطانية لانقاذ المصارف وتنشيط الاقتصاد.
– 400 مليار أورو التزامات الحكومة الفرنسية من أجل دعم المصارف والاقتصاد.
– 500 مليار أورو في المانيا.
– 300 مليار أورو في ايطاليا.
– 80 مليار أورو في اسبانيا.
– 140 مليار أورو في اسوج.
لا شك في ان هذه الالتزامات ستزيد عن ذلك لان التزامات سويسرا غير محددة حتى تاريخه، وان تكن واقعة حتماً، كما ان التزامات اليونان والبرتغال والنمسا ستزيد المبلغ 200 – 300 مليار أورو، فتكون كلفة الضمانات الاوروبية نحو 2500 – 2600 مليار أورو.
ومن أجل اعطاء صورة عن مأساة تحويل العالم ساحة مضاربات نقدية ومالية بدل ضبط أوضاعه الرقابية لتطوير منتجات وخدمات أساسية لحياة البشر، نشير الى ان فيضانات هذه السنة التي افقدت نحو 100 مليون من سكان افريقيا وجنوب آسيا القدرة على تأمين الغذاء، قابلها برنامج من الامم المتحدة بقيمة 800 مليون دولار يصرف نصفه على الاقل على تكاليف النقل والمصاريف الادارية.
هكذا عالمنا اليوم، 800 مليون دولار تخصص لمئة مليون جائع، أي ثمانية دولارات سنوياً لكل جائع، في مقابل ستة آلاف مليار دولار تخصص لتصحيح اوضاع الاسواق النقدية وتعويض شطط المضاربين ورجال البورصة والمصرفيين المغامرين بأموال البشر من كل الجنسيات بعد تعميم نشاطات العولمة وانتقال الاموال بين الدول والأسواق.
ربما كان هناك مليون مستفيد من التعامل اللاانضباطي في الاسواق المالية على صعيد عالمي وفي المصارف العالمية، ويكون كل واحد من هؤلاء ساهم في تبديد وتبخر ستة ملايين دولار. وبالطبع كان بين المسؤولين الكبار عن المصارف وإدارة الاموال من تقاضى 100 مليون الى مليار دولار منحا تشجيعية لتحقيق حسابات وهمية.
أوروبياً، اصرار الرئيس الفرنسي على ضرورة اصلاح أسس النظام النقدي العالمي وإعادة رسمه أمر يشكر عليه الرئيس ساركوزي، وان جاء طلبه متأخراً.
في المقابل، ان تنصل الرئيس الاميركي من التقيد بالتزامات على بلده الذي تسبب بالازمة، أمر مفهوم لانه يريد ان يحيل هذه التركة الثقيلة على الرئيس الجديد. ولذلك فان الاجتماع بين الاوروبيين والأميركيين واقطاب النمو السريع، أي الصين والهند والبرازيل وروسيا، سيعقد في 15 تشرين الثاني 2008 في واشنطن بعد ظهور نتيجة الانتخابات الرئاسة الاميركية. فان نجح اوباما، سيجد الاوروبيون والروس والصينيون في مقابلهم فريقاً اقتصادياً متنوراً يشمل بول فولكر الحاكم السابق للمصرف المركزي، ولاري سمرز وزير المال السابق خلال الولاية الثانية لكلينتون، وكلا الرجلين طالب منذ زمن بتعديلات اساسية على نظام النقد الدولي وممارسة الاشراف الرقابي في الولايات المتحدة، ولا بد ان ينضم الى هؤلاء بول كريغمان الحائز جائزة نوبل لعلوم الاقتصاد سنة 2008، وهو ينتقد سياسات ادارة بوش منذ زمن طويل.
"النهار"




















