الياس حرفوش
مصير القضايا الرئيسية الثلاث امام القادة العرب في قمة الدوحة، يبدو متصلاً بمواقف وتطورات خارجية، اكثر مما له علاقة مباشرة بأي قرار عربي يمكن ان يصدر عن القمة.
لا نتحدث هنا عن المصالحات بين القادة العرب، والتي يعني غياب الرئيس حسني مبارك عن القمة انها لم تكتمل بعد، فيما لا يخفي الرئيس السوري بشار الأسد ان الخلافات لا تزال قائمة، وان المطلوب هو «ادارتها» في احسن الاحوال. بل نتحدث عن القضايا السياسية التي تواجه العرب اليوم، بدءاً بالقضية الفلسطينية وكيفية تعامل العرب مع حكومة نتانياهو الجديدة، الى تطورات العلاقة مع ايران، في ضوء الاتهامات الموجهة إليها بالتدخل في الشؤون الداخلية لأكثر من بلد عربي، الى النزاع القائم اليوم بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية، والموقف الذي يمكن للعرب أن يتخذوه من هذا النزاع، وما يمكن أن يغيّره هذا الموقف بالنسبة الى ازمة الرئيس السوداني مع هذه المحكمة.
في ما خص اسرائيل، يميل الموقف العربي حالياً الى الاجماع على تبني ما سبق ان اعلنه الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الكويت من أن المبادرة العربية لن تبقى مطروحة على الطاولة الى الابد، مما يحتم النظر في خيارات اخرى، اذا اختارت الحكومة اليمينية في اسرائيل نهجاً آخر غير نهج التفاوض، كما هو منتظر، على رغم تصريحات نتانياهو المتعلقة بالتزامه بعملية السلام. لكن الضغط الحقيقي على اسرائيل، اذا كان هناك من ضغط، سوف يكون ضغطاً خارجياً، ومن جانب ادارة اوباما بالتحديد، مما يعني ان القرارات المقبلة للحكومة الاسرائيلية في المرحلة المقبلة ستكون محكومة بعلاقاتها مع واشنطن وبمدى الضغوط التي يمكن لاميركا أن تمارسها على اسرائيل، اكثر مما ستكون ردود فعل على أي موقف يمكن ان يصدر عن قمة الدوحة.
ويمكن القول إن الأمر نفسه ينطبق على العلاقات العربية مع ايران، التي تبقى تطوراتها، ايجاباً او سلباً، رهناً بما ستتجه إليه ازمة الملف النووي، التي تتصل هي ايضاً بالعلاقة الايرانية – الاميركية وبإمكان تجاوب طهران مع مبادرة اوباما تجاهها. ومن الطبيعي ان اي حلول خارجية لهذه الازمة تؤدي الى تليين الموقف الايراني، سواء جاءت عن طريق الضغوط او الصفقات، ستترك انعكاساتها على علاقات ايران مع العرب وعلى الحد من نفوذها او زيادته في ازمات الاقليم من حولها. هنا ايضاً لن يكون الموقف العربي في القمة حيال ايران بالغ التأثير، بالنظر الى ان الفصول اللاحقة لهذه الازمة يجري صوغها في مكان آخر، حيث للعرب تأثير محدود.
اما بالنسبة الى المحكمة الدولية المتعلقة بالسودان فالواضح أن «الدعم» العربي الخجول للرئيس السوداني والموقف السلبي من رغبة السودان في استضافة قمة عربية طارئة لدعم موقفه، يؤشران الى ميل عربي الى تفادي مواجهة مفتوحة مع المحكمة ومع الحكومات الغربية التي تدعم عملها. واذا كان معظم القادة العرب قد وجدوا انفسهم محرجين امام ازمة من هذا النوع كانوا في غنى عنها، فإن حضور الرئيس السوداني للقمة والقرار الذي يمكن أن تتخذه بشأن السودان لن يغيرا الكثير كذلك، خصوصاً ان المحاولات التي جرت في السابق بهدف تأجيل تنفيذ القرار بحق البشير لمدة سنة، عملاً بأحكام المادة 16 من معاهدة انشاء المحكمة باءت الى الآن بالفشل، وليس واضحاً ما يمكن ان يكون عليه مصير اي محاولات جديدة. الازمة هنا ايضاً اذن هي ازمة سودانية غربية، لا تملك القمة العربية الكثير من الاوراق لحلها.
ما تستطيع قمة الدوحة ان تفعله، رغم ارتباط هذه الازمات بالمصالح والقرارات الخارجية، هو أن تضع سقفاً للموقف العربي لا يستطيع احد في الخارج التنازل عنه او الاستهانة به، سواء حاول ذلك عن طريق التهديد او الضغوط. موقف كهذا من شأنه ان يدفع القوى الخارجية، وادارة اوباما تحديداً، الى أخذ الموقف العربي في اعتبارها عند صوغ سياساتها، سواء تعلق الأمر بإيران او بالصراع مع اسرائيل. اما القضية السودانية، فلا بد من موقف حيالها لا يساير مصلحة الخرطوم على حساب العدالة الدولية، لأن للعرب مصلحة كذلك في مثل هذه العدالة اذا قامت على اساس الحق وعدم المحاباة.




















