يقول الاستاذ طلحة جبريل إن أول عمل أدبي ألفه الطيب صالح هو "نخلة على الجدول"، وذلك عام 1953 بعاصمة الضباب لندن، والقصة في مجملها كما يصفها المؤلف نفسه "بسيطة، كتبتها ببساطة شديدة جداً… كانت القصة تعبيرا عن حنين للبيئة، ومحاولة لاستحضار تلك البيئة". وبعدها انقطع الطيب عن الكتابة لمدة سبع سنوات، ثم أنتج تباعا "حفنة تمر"، و"دومة ود حامد". ويروي لنا الاستاذ علي أبو عاقلة أبوسن عن "دومة ود حامد" قائلا: "إن الطيب صالح قال له ذات مرة انه كتب قصة قصيرة، ويريد رأيه فيها. كان ذلك عام 1961 فأعجبته القصة، وطلب من الطيب صالح نشرها، لكنه رفض فكرة النشر، وحاول نزع المسودة من يده، ولكن أبوسن رفض اعادة القصة اليه إلا إذا وافق على نشرها، وبعد ثلاثة ايام جاءه الطيب صالح ضاحكا، وقال: "يا سيدي خلاص أنا وافقت، لكين منو البينشرها لينا؟".
وفي العام نفسه، حسب رواية طلحة جبريل، نشرت مجلة "أصوات" اللندنية "دومة ود حامد"، ثم ترجم دينيس جونسون ديفيس النص العربي الى الانكليزية، ونشره في مجلة الكونتر (Encounter) الأدبية، وكانت عملية نشرها في هذه المرحلة الباكرة من عُمر الطيب، ومع كُتّاب مرموقين أمثال الكاتب الاميركي نورمان ملير، بمثابة ميلاد حقيقي لاديبنا الطيب صالح، وفتح أدبي جديد في مساراته الأدبية. وعندما شجعه ديفيس على مواصلة الكتابة قال له الطيب صالح في سخريته المعهودة: "يعني أتحول الى كاتب… هذه مزحة، لقد كتبتُ ما عندي… وخلاص". وبعد الصدى الذي أحدثته "دومة ود حامد" في الأروقة الأدبية، كتب الطيب رواية "عرس الزين"، إلا أنه أحجم عن نشرها ولم يطلق سراح نصها الأدبي إلا عام 1964، حيث نشرت الرواية ملحقاً في مجلة "الخرطوم" الثقافية، ولكن لم يحفل الناس بها كثيرا، ثم أردف ذلك بعمله الروائي الرائد "موسم الهجرة الى الشمال" الذي نشرته مجلة "حوار" البيروتية عام 1966. ويقول في هذا المضمار الديبلوماسي سيد أحمد الحاردلو انه كان في زيارة الى قاهرة المعز بصحبة الاستاذ محمد أحمد المحجوب، وفي تلك الاثناء اشترى خمس نسخ من مجلة "حوار" البيروتية، وأعطى منها نسخة للاستاذ رجاء النقاش الذي قرأ رواية "موسم الهجرة الى الشمال" بعين فاحصة – ناقدة، وكتب عنها مقالا بعنوان: "الطيب صالح عبقري الرواية العربية". وحسب الاستاذ الحاردلو وآخرين ان ذلك المقال هو الذي وضع الطيب صالح على قمة الروائيين العرب منذ عام 1968، وجعل الناس يعودون الكرة لقراءة أدبياته السابقة، ويتشوقون لمطالعة مساهماته اللاحقة.
أحلام العودة الى السودان
كانت احلام العودة الى السودان هاجسا معششاً في مخيلة الطيب صالح، لا يفارقه في حلّه وترحاله. لذا فان الدكتور منصور خالد لا يطلق عليه صفة المهاجر، أو اللاجىء، أو المنفي، "لأن الأوطان ليست ظواهر جغرافيا، فألأوطان ترحل في قلوب أصحابها". ويؤكد صدق هذه الفرضية قول الطيب نفسه ردا على السؤال الذي طرحه عليه الاستاذ خالد الاعيسر في حوار تلفزيوني: "لم يحن وقت هجرة الطيب صالح جنوبا للاستمتاع بدفء العشيرة والأهل، بعيدا عن بلاد تموت من البرد حيتانها كما وصفتها؟" فجاء رد الطيب عليه ردا حزينا، أبكى المجيب أولا، قبل أن يبكي مستمعيه: "أنا دائماً أقول حين أواجه بهذا السؤال بأنني أحمل السودان بين أضلاعي… ولست في حاجة الى ان اعود اليه لأنني عايش فيه… وفي هذا الزمان اصبح الوجود الجسماني لشخصي في مكان جغرافيا ما مهما، ولكن ما هو مهم جدا… في فترات كنت أزور السودان كثيرا، وكان الناس الذين أعزهم في السودان أحياء… فقلوا، الموت ما قصّر أخذ كثيرين من الاعزاء، لكنني أحب جدا ان أتمكن من زيارة السودان على فترات قصيرة، الان لا أستطيع أن أسافر، هذه العلة التي أعاني منها، لأني أنا مرتبط بغسيل الكُلى ثلاث مرات في الاسبوع، ولا استطيع ان اسافر، لكن عندي أمل قوي ان شاء الله قبل ما نودع هذه الدنيا، نزور البلد، ونشم هواها، ونشم تربتها، ونرى ما بقى من الاصحاب"
ويتجدد هذا المشهد في كل روايات الطيب صالح، لان الراوي عاش في قريته كما يعيش اهلها، وظل يعتقد جازماً "ان الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب، او مبدع، يوجد طفل قابع في اعماقه، والابداع نفسه فيه البحث عن الطفولة الضائعة". ويقول الطيب ايضاً "حين كبرتُ ودخلتُ في تعقيدات الحياة كان عالم الطفولة بالنسبة لي فردوساً عشتُ خلاله متحرراً من الهموم، أسرح وامرح كما شاء لي الله، واعتقد انه كان عالماً جميلاً… وذلك هو العالم الوحيد الذي أحببته دون تحفظ، وأحسست فيه بسعادة كاملة، وما حدث لي لاحقاً كان كله مشوباً بالتوتر".
ويقول الاديب المرهف في احد مقاطع ادبياته الروائية القصصية: "استيقظت في فراشي، وارخيت أذني للريح. ذاك لعمري صوت اعرفه. سمعت هديل القمري، ونظرتُ الى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمت ان الحياة ما زالت بخير. انظر الى جذعها القوي المعتدل، والى عروقها الضاربة في الارض، والى الجريد الاخضر المنهدل فوق هامتها فأحس بالطمأنينة. أحس بأنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة مخلوق له اصل، وله جذور، وله هدف".
وفي زيارته الاخيرة الى السودان عام 2005 يقول الطيب: "وعندما حلقت الطائرة فوق مروي، وشفت النيل والمزارع والنخيل، حدث لي شعور عظيم". ويبدو ان ذلك الشعور كان اشبه بما حدث له قبل خمسة عقود عندما زار قرية ود حامد (كرمكول) الرمز، وسطر تلك المشاعر الجياشة في فاتحة "موسم الهجرة الى الشمال" بلسان الراوي: "عدت الى اهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة اعوام على وجه التحديد، كنت خلالها اتعلم في اوروبا. تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، ولكن تلك قصة اخرى. المهم انني عدت، وبي شوق عظيم الى اهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. سبعة اعوام وانا احن اليهم واحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة، ان وجدتني حقيقة قائمة بينهم، فرحوا بي وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسستُ كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس ذاك دفء الحياة والعشيرة، فقدته زمانا في بلاد تموت من البرد حيتانها".
والمشهد التالي يحكي عن موقف للراوي الذي لم يكن قشة في مهب الريح، بل انسان له مواقفه المرتبطة بجرس الارض التي ينتمي اليها، وعزة اهله الطيبين، وفي هذا يقول الراوي على لسان احدى شخصياته الروائية: "وقتين طفح الكيل، مشيت لأصحاب الشأن، قلت ليهم خلاص. مش عاوز… رافض… ادوني حقوقي، عاوز اروح لي اهلي، دار جدي وابوي… أزرع واحرث زي بقية خلق الله، اشرب الموية من القلة، وآكل الكسرة بالويكة الخضرا من الجروف، وارقد على قفاي بالليل في حوش الديوان… اعاين السما فوق صافية زي العجب، والقمر يلهلج زي صحن الفضة… قلت ليهم عاوز اعود للماضي، ايام كان الناس ناس، والزمان زمان…".
ويبدو ان هذه المشاهد اللامعة وتلك المشاعر المتدفقة قد دفعت الدكتور حسن ابشر الطيب والاستاذ محمود صالح عثمان صالح وآخرين فضلاء بأن يقوموا بجمع بعض المال لشراء بيت للطيب صالح في السودان، ولكن لتعذر المسعى بعض الشيء يقول الطيب: فسألني حسن ابشر ماذا نفعل، وخطر لي في الاول ارجاع الفلوس للمتبرعين، لكننا فكرنا والاخ محمود صالح عثمان صالح…وقلنا: "والله كويس نخصصها لجائزة، وهم من اقترحوا ان تكون باسمي، مع اني كنت افضل لو انها كانت باسم التجاني يوسف بشير مثلا، وختينا القريشات دي عشان تبقي نواة لهذه الجائزة". لا غرو ان فكرة الجائزة كانت فكرة طيبة، والشكر موصول لأصحابها، لأن فيها تخليد لاسم الاديب الطيب صالح بين اهله وعشيرته، وفيها نوع من التقدير والعرفان الذي يستحقه ذلكم الرجل النخلة، لأنه بفضل عطائه السابل قد منح السودان اسما عظيماً في المحافل الادبية والفضائيات، بعيدا من ارث الحروبات، ونزوات السياسة البغيضة في السودان.
(اجزاء من دراسة اطول)
( كاتب سوداني)
"النهار"




















