في اليوم الاول، قرر الرئيس المصري حسني مبارك التغيب عن القمة العربية، فصار غيابه الشغل الشاغل للجميع وطغى على ما عداه من قضايا كبرى مطروحة أمام هذا الاجتماع الذي يفترض انه استثنائي.
وفي اليوم الثاني، حضر الرئيس السوداني عمر البشير الى الدوحة متحديا قرار ملاحقته أمام القضاء الدولي فخطف بحضوره الاضواء وصار حدث القمة الاول والاهم.
في اليوم الثالث الأخير، صار الزعيم الليبي معمر القذافي "نجم النجوم" عندما خالف الاصول البروتوكولية، وسرق الكلام في الجلسة الاستثنائية من دون إذن، ففهم على غير مقصده وكاد أن ينسف بكلمته المقتضبة اللقاء بعدما استنفر الاعصاب وحوَّل القاعة الى هرج ومرج قبل ان يُعرف المضمون الحقيقي لما يريد ابلاغه .
يغيب رئيس. تنقلب القمة و"الامة" ويستنفر إعلامها مادحا او شاتما، يحضر رئيس . تندهش القمة و"الامة" وتنشغل الكاميرات وتلمع الاضواء . ينطق رئيس كلاما غير مفهوم وغير واضح. تشتد اعصاب القمة و"الامة" ويبدأ سيل التعليقات ولا يتوقف. ومن ينطق منهم بدوره، ومن ضمن النظام، لا تسمع منه جديدا ولا تستشف رؤية فنتساءل: لماذا تهبط الرؤى على الآخرين وبينهم جيراننا ولم تهبط علينا ابدا ؟
ببساطة، طائرة البشير غطّت في مطار الدوحة وليس على سطح المريخ أو القمر. ومقاطعة مبارك كانت لقمة عربية عادية وليست قطعا للعلاقات مع اسرائيل، وكلام القذافي كان على مشكلة محض شخصية بينه وبين العاهل السعودي وليس قرارا بوقف تصدير النفط الليبي ردا على خفض أسعاره الى مستويات قياسية.
باختصار، هذه الصورة على بساطتها تلخص حال الامة التي تعيش أحوالا غير طبيعية في ظروف يفترض انها غير عادية. نعيش في هذه الامة ويعيّشنا قادتها وزعماؤها والحكام وكأن لا هموم عندنا سوى شؤونهم الشخصية، فما يزعجهم يفترض انه يزعجنا، وما يشغل بالهم يفترض انه ايضا يشغل بالنا.
يعيشون ويريدوننا ان نعيش معهم وكأن فلسطين تخلصت من الاحتلال منذ زمن بعيد؛ وكأن العراق اجتاز كل مصائبه وبات يقفز قفزات كبيرة على طريق التنمية والازدهار والرفاه؛ وكأن السلم الاهلي استتب في السودان وتركت قبائله السلاح لتتفرغ لزراعة القطن وحصد المحاصيل الزراعية الوفيرة.
يتصرفون وكأن لا أزمة مالية واقتصادية عميقة في العالم قد تغيّر وجهه وتهدد كل عائدات نفطهم ومعها كل مدخرات الاجيال العربية المقبلة .
يتصرفون وكأن الشعوب العربية تنعم بالنعيم والصحة الوفيرة، والمستويات التعليمية العالية، ولم يعد بين أفرادها مرضى أو أميون.
ربما لا يدرون ان الولايات المتحدة تغيرت، وان العالم كله يتغير بعدما صار الاسمر الافريقي الاصل باراك أوباما رئيساً لاميركا، وانتهج نهجا جديدا من شأنه قلب الاوضاع وتغيير المشهد. ربما ايضا لم تردهم أنباء عن المستوى الذي بلغته المفاوضات بين واشنطن وطهران التي عاندت وأصرت وبلغت ما بلغته من نفوذ على حسابهم وفي غيابهم. والاغلب أنهم لم يتبلغوا بعد رسميا نتائج الانتخابات في اسرائيل التي توّجت المتطرف بنيامين نتنياهو رئيساً للوزراء والاكثر تطرفا منه أفيغدور ليبرمان وزيراً للخارجية، وان عمليات التهويد تكاد تبتلع القدس الشرقية، وان الاستيطان ترك الضفة أجزاء مقطعة.
سنة وتمر سريعا، وتاليا لن يمر وقت طويل قبل ان تتحفنا القمة المقبلة بمفاجآتها.
"النهار"




















