نصير الأسعد
ليس خافياً ـ تكراراً ـ أن إحدى الوسائل الرئيسيّة لدى فريق 8 آذار لـ"مواجهة" الخلل في توازن القوى لصالح 14 آذار، هي إعتماده على "حرب نفسيّة" الهدف منها تصوير الفريق الإستقلالي مفككاً مشتّتاً هائماً.
في إطار هذه "الحرب النفسيّة" وفي آخر فصل من فصولها حتى الآن، تدخل "طريقة تقديم" فريق 8 آذار للوضع العربي حول لبنان.
"المصالحات العربية" تؤثر على 14 آذار!
ينطلقُ تقديم 8 آذار للوضع العربي المرتسمة معالمه على نحو جديد، من أنّ ما سُمّي "مصالحات عربيّة" إنما تمّت وتتمّ على أساس "عودة" النظام العربي، أي دوله الركنيّة الرئيسيّة الى سوريا وعلى قاعدة "تسليم" تلك الدول ـ الركنيّة ـ بـ"صواب" السياسات السورية!
ومع أن فريق 8 آذار الذي يعلن نفسه مرحِّباً بـ"المصالحات العربيّة" وبـ"المصالحة السعوديّة ـ السوريّة" بشكل خاص كما يقول، فإنّه في الوقت الذي يستبعد أن تؤدّي تلك "المصالحات" الى تغيير في الخارطة السياسية اللبنانية في مدى منظور، بل يرفض أن تؤدّي الى ذلك، تراه في "الحرب النفسيّة" التي يخوض يتحدّث في المقابل عن ضغوط يمارسها قادة الدول الركنيّة العربية أو قادة "محور الإعتدال العربي" على حركة 14 آذار تارةً، وعن تبلّغ قادة 14 آذار "كلمة سرّ" بضرورة التكيّف مع "المستجدّ العربي" تارةً ثانية، وعن سحب دول النظام العربي دعمها لتوجّهات 14 آذار تارة ثالثة، ويصل الحديث الى حدّ التلويح بأن ثمّة إتفاقاً على نوع من "الشراكة" في لبنان بين النظام العربي والمملكة العربية السعودية في المقدمة وبين النظام السوري تارةً رابعة!.
"الإنفراج" عربياً.. وإشارتان سوريّتان
تحاول "الحرب النفسيّة" تصوير 14 آذار فريقاً "مكعوماً" يفقد أفقه العربي.
والحال أن هذا التقديم للوضع العربي من جانب فريق 8 آذار، ليس حقيقياً ولا صحيحاً. والردّ عليه لن يكون في صيغة "بروباغندا مضادة".
صحيحٌ أن ثمّة جديداً في "المشهد العربي". ويتمثل هذا الجديد في ما يمكن تسميته "الإنفراج" على مستوى الاتصالات والعلاقات العربية ـ العربية. بيد أن الصحيح أيضاً، هو أنّ النّظام السوري الذي "أخذ" من "الإنفراج" فكاً لعزلته العربية، "أعطى" في المقابل إشارتين سياسيتين على الأقل. الاولى تتجلّى في "إنتقاله" من الحديث عن "موت" المبادرة العربية للسلام ودعوته الى "دفنها"، نحو المطالبة بتوفير مقوّمات نجاح تلك المبادرة مع التشديد على أنها الخيار العربي "الإستراتيجي". والثانية يعبّر عنها إنتقال النظام السوري الى وضعية "الوسيط" بين إيران والمجتمع الدولي من جهة وبين إيران والنظام العربي من جهة أخرى. وإذا كان رئيس النظام السوري بشار الأسد يحاول تعريف "المصالحات" على أنّها نوعٌ من الإتفاق على "إدارة الخلافات"، أي أنّها لا تزال غير مؤطّرة باتفاقات وتفاهمات سياسية، فذلك إنما يدخل في باب "التموضع البطيء" بحيث لا يذهب الى "قطع سريع" مع مواقف وسياسات سابقة. وواقع الأمر هنا أنّ الإنفتاح السعودي على دمشق الذي أسفر عن "إنفراج"، إنما تم بعد أن "أتى" الأسد الى علاقة مُستأنفة بالرياض على قاعدة التحديد السعودي لخطرين إثنين: الخطر الإسرائيلي من ناحية و"التّحدي" الإيراني من ناحية ثانية، كما قال وزير خارجية المملكة الأمير سعود الفيصل.
..بدليل ما كشفه سيمور هيرتش ما غيره!
أمّا "اللفظيّة" التي تطبع خطاب الأسد فليست مهمة. ففي مقال له في صحيفة "نيويوركر" الأميركية، كشف الصحافي سيمور هيرتش ـ ما غيره حليف نظام بشار! ـ أنّ النظام السوري ـ الذي يسمح لنفسه بـ"الجدل" حول المبادرة العربية ـ مستقتل للإنتقال الى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ومستقتل لأن تفتح له الإدارة الأميركية الأبواب ويتطلّع الى الاجتماع بالرئيس الأميركي باراك أوباما. وأكثر من ذلك ينقل هيرتش عن مسؤولين سورييّن أنّ ردّ الفعل السوري حيال أي عمل عسكري في وجه إيران إذا حصل لن يكون أكثر من "بيان إستنكار"!.
"النّقزة"
هكذا إذاً، فإنّ "الحرب النفسيّة" التي يخوضها فريق 8 آذار، لا تُخفي ـ تأسيساً على القراءة الآنفة ـ "نقزة" من جانب هذا الفريق حيال التّطورات الجارية عربياً، في حين أنّ التّطورات نفسها مقروءةً على النحو المشار إليه لا "تنقّز" حركة 14 آذار. أي أن النظام العربي ـ أو محور الاعتدال العربي ـ لم يخلع صاحبه فريق 14 آذار، فيما النظام السوري الذي لا صاحب له يمكن أن يخلع صاحبه ـ أو أصحابه ـ في وقت يراه مناسباً له.
الحريري وجنبلاط
على أنّ "الحرب النفسيّة" لا تقتصر على محاولة تقديم صورة زائفة عن الوضع العربي، إذ يحاول أصحابها "اللّعب" على الوضع داخل 14 آذار.
يحاول فريق 8 آذار "التنقّل" بين رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط.
إكتشف فريق 8 آذار "المفتاح". ففي كلمة له خلال زيارته الى لندن الأسبوع الماضي، قال الحريري إن "جدول أعمال الحياة السياسية اللبنانية يجب أن يتبدّل بعد 7 حزيران، فبعد هذا التاريخ يجب أن نبحث عن قواسم مشتركة تمكن الدولة من مواجهة كل التحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية". سرّب فريق 8 آذار أن الحريري يستعدّ لتموضع جديد بعد 7 حزيران!. في حين أنّ ما يقوله زعيم "المستقبل" واضح تماماً، ربطاً بمواقف سابقة له، وهو أنّ 14 آذار هي مَن سيبدّل جدول أعمال الحياة السياسية بعد فوزها في الانتخابات.. أي أنّ فوزها هو شرطٌ لصياغة أولويات تدخل هموم الناس في حساباتها، وشرطٌ لإيجاد "قواسم مشتركة".. والبحث عن "قواسم مشتركة" لا يعني "الانضمام" الى 8 آذار!. وفي الأصل، كانت 14 آذار ساعيةً دائماً الى الحوار لبلورة "قواسم مشتركة".
أما "اللعب" على مواقف وليد جنبلاط، فقد صار ممجوجاً.. ما دفعه غير مرّة الى نفي كل "التلفيقات" عن "مغادرته" 14 آذار "منذ الآن"، علماً أنه لم يفعل سوى إعادة تحديد موقعه "ضمن" 14 آذار، وفي حسابه "الوحيد" منع إنزلاق لبنان الى الفتن.
الى اللقاء الأحد مع مؤتمر "المستقبل"
إذاً بين "الاستعانة" بقراءة مغلوطة للوضع العربي وبين محاولة إصطناع تناقضات داخل 14 آذار لـ"اللّعب" عليها، تستمر "الحملة النفسيّة" هادفةً الى ضخّ "مناخ" لإحباط التّيار الـ14 آذاري، وإلى التغطية على المشاكل التي "تنعف 8 آذار نعفاً".. بأمل التأثير في المسار الانتخابي.
لكنّ 14 آذار باشرت استعداداتها. ومن لديه شكّ ليستمع الى خطاب سعد الحريري بعد ظهر الأحد المقبل في اجتماع الجمعية التأسيسيّة لـ"تيّار ".




















