في 12 حزيران 1933، احتشد أكثر من الف زعيم مالي وحكومي كبير في المتحف الجيولوجي بلندن للاستماع الى خطاب العاهل البريطاني جورج الخامس الذي بث مباشرة على الهواء، من اجل أهمية ذلك الاجتماع، في محاولة انقاذ العالم من الكساد الكبير. ولكن بعد ذلك اليوم بستة اسابيع، انفض "المؤتمر الاقتصادي العالمي" من غير ان يحرز أي تقدم، وأرجأ أعماله وسط خلافات وتبادل للاتهامات بين ديموقراطيات العالم.
وبعد مرور 76 سنة، يجتمع زعماء مجموعة العشرين لكبرى الدول الصناعية والناشئة اليوم، في مركز "اكسيل" للمؤتمرات والمعارض، على مسافة كيلومترات قليلة من المتحف الجيولوجي الذي صار اليوم جزءا من متحف التاريخ الطبيعي، للبحث في مخرج للازمة الاقتصادية الاسوأ منذ الثلاثينات من القرن الماضي، والناجمة عن أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة، وسط مؤشرات لا تبعث على كثير من الامل.
صحيح أن أموراً كثيرة تغيرت بين 1933 و2009، فلا النازيون ولا الاتحاد السوفياتي سيكون لهم ممثل في القمة، والمسائل التي اختلف عليها المجتمعون في حينه، مثل ديون الحرب العالمية الاولى، طويت في كتب التاريخ منذ زمن بعيد، بيد ان خلافات من نوع آخر تهدد بتقويض الامال المعلقة على هذا التجمع الاستثنائي، على رغم تأكيد زعماء العالم انهم تعلموا دروس اخفاقات الماضي والتي كانت قاسية. فبعد فشل مؤتمر 1933، مضى كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في سياسة اقتصادية منفصلة، واستمرت هذه الدول طوال سنوات تتبادل الاتهامات بتخريب المؤتمر، فيما كان الاقتصاد يواصل تراجعه والدول تتسلح للحرب.
بالتأكيد، لن تكون بضع ساعات في لندن اليوم كافية لتغيير حال العالم الذي تتدحرج اقتصاداته، الواحد تلو الاخر، وإن تكن كلفة الاستعدادات لهذا الحشد الاستثنائي بلغت 20 مليون جنيه استرليني. ولا شيء يوحي بان "بيغ بن" ستدق في نهاية اليوم الطويل، مؤذنة بفجر جديد للرأسمالية. فعلى رغم اقرار المجتمعين بأهمية رد منسق عليها، فانهم يختلفون على ما يبدو على مسائل رئيسية عدة ستناقش، وسط تحذيرات من "نزف اقتصادي" و"سيناريو قاتم" مع توقع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل الى 36 مليوناً نتيجة "الركود الاعمق والاكثر تزامنا" في ايامنا.
الحوافز المالية
فبالنسبة الى تأمين الحوافز المالية للاقتصاد لتحفيز النمو، يصر الاوروبيون، على رغم توجهاتهم المختلفة، على رفض النداءات الاميركية لزيادة الانفاق. وهم يجادلون بأنهم اتخذوا خطوات كافية مع خفض الضرائب ومعدلات الفائدة واطلاق خطط تحفيزية تمثل 3,3 في المئة من الناتج المحلي الخام للاتحاد الاوروبي، أي ما يعادل 400 مليار أورو لسنتي 2009 و2010.
وترد واشنطن التي أطلقت في شباط خطة انعاش قيمتها 787 مليار دولار (5، 5 في المئة من الناتج المحلي الخام الاميركي) بابرازها الحاجة الى بذل المزيد نظراً الى حجم الركود العالمي.
وقبل ان يتدخل رئيس "بنك انكلترا" مرفين كينغ الاسبوع الماضي محذرا الحكومة البريطانية من انها تقترب من تجاوز حدود الاقتراض، وقف رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون على نحو حاسم في معسكر اوباما من حيث المطالبة بتعزيز الانفاق وخفض الضرائب لتحفيز النمو، على رغم ادراكه ان المستشارة الالمانية انغيلا ميركل وزعماء آخرين لن يكونوا مستعدين لتعديل موازناتهم خلال القمة.
وذهب رئيس الوزراء الاوسترالي كيفن رود الى القول صراحة انه ستكون ثمة حاجة الى قمة ثانية هذه السنة "للنظر في المبالغ الضرورية "لدعم الاقتصاد سنة 2010، وهو ما أرخى ظلالاً من الشك على نتيجة القمة قبل انعقادها.
المؤسسات العالمية
وبدل خطط التحفيز، يريد الاوروبيون اعطاء الاولوية لاصلاح المؤسسات العالمية. وثمة اتفاق على ان صندوق النقد الدولي يفتقر الى الصلاحيات الضرورية لمواجهة المشاكل التي تعانيها الدول، وسط مخاوف خصوصاً على دول اوروبا الشرقية.
وقبل ايام، صرح وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند بان دول مجموعة العشرين ستوافق على تعزيز احتياطات صندوق النقد الى 500 مليار دولار، وأن اموالا اضافية ايضاً ستوفر للبنك الدولي والمصارف الاقليمية للتنمية، بيد ان المشكلة المحتملة في هذا المجال تكمن في ان بعض دول المجموعة التي تملك فوائض مالية ويمكنها تعزيز احتياطات الصندوق، مثل الصين والسعودية، لا تتمتع الا بصلاحيات ضئيلة في شأن طريقة ادارته. ويمكن هذه الدول ان ترهن زيادة مساهمتها بتعزيز صلاحياتها.
وثمة ملامح خلافات اضافية في هذا البند مع مطالبة واشنطن بزيادة احتياطات الصندوق ثلاثة اضعاف، بينما يؤيد الاوروبيون مضاعفتها، واعلنوا عزمهم على المساهمة بمئة مليار دولار.
القطاع المالي
ويتمثل البند الثالث في الاتفاق على آلية تنظيف القطاع المصرفي في العالم، وخصوصاً في المصارف المتعددة الجنسية، من "الاصول الفاسدة" او الديون المعدومة، من دون «فك الارتباط» مع النظام المالي الدولي او انقاذ مصرف على حساب آخر.
وتوافق دول مجموعة العشرين على أن نظاماً مصرفياً سليماً هو امر حيوي للعودة الى مستويات طبيعية للنشاط المصرفي، ويتوقع ان تلتزم كل منها حل مشاكل الديون المتعسرة لمصارفها.
بيد ان الاوروبيين يخشون ان تسعى واشنطن خلال القمة الى الاكتفاء بحد ادنى من القيود على تعزيز الرقابة المالية، وخصوصاً بعد الهفوات الكبيرة التي أظهرتها الخطة الاميركية الاولية لانقاذ المصارف.
اضف ان الضغوط الفرنسية والالمانية اضطرت كلا من واشنطن ولندن الى تنظيم ما يسمى النظام المصرفي "الظل" الذي يشمل صناديق التحوط. ويتوقع ان تتخذ خطوات ايضاً لانشاء نظام للانذار المبكر، من طريق تعزيز دور صندوق النقد والتعاون عبر الحدود للمراقبين المصرفيين.
التجارة
ومع توقع منظمة التجارة العالمية ان تنكمش التجارة العالمية بنسبة تسعة في المئة هذه السنة، وقولها ان الكتلتين التجاريتين الكبريين، الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، تزيدان العوائق الحمائية فيما تتحدثان عن تحرير التجارة، تحذر الدول الناشئة التي تعتمد كثيرا على صادراتها، وفي مقدمها البرازيل التي يتهم رئيسها لويس ايناسيو لولا داسيلفا "المصرفيين "البيض ذوي العيون الزرق" بالازمة، من ان الفشل في هذا المجال سيكون ثمنه المجازفة بالعودة الى اخطاء الماضي التي ادت الى الركود الكبير عندما انغلقت القوى الكبرى على نفسها وتركت التجارة العالمية تنهار.
وعلى رغم النداء الذي وجهته القمة الاولى لمجموعة العشرين في واشنطن في تشرين الثاني الماضي الى منظمة التجارة لانهاء جولة الدوحة من محادثات التجارة الحرة بنهاية 2008، بدا انه مستحيل انهاء سبع سنوات من المفاوضات الشاقة، في ظل خلافات حادة بين الكونغرس الاميركي والصين.
وفيما باتت مجموعة العشرين تقر بان نهاية قريبة لجولة الدوحة تبدو مستحيلة، قد تسعى القمة الى اجراءات تمنع الدول الاعضاء من استغلال القواعد الحالية لمنظمة التجارة العالمية لزيادة الحواجز التجارية التي بدأت تغري مزيدا من الدول مع تفاقم البطالة حول العالم.
التنمية
ومن المواضيع الشائكة في القمة أيضا مسألة التنمية. فبعدما استأثرت أفريقيا بالقمم مطلع هذا القرن، يبدو ان المشاكل التي يواجهها العالم الغني في الاشهر الاخيرة حجبت الاضواء عن الدول الاكثر فقرا. ويتوقع ان تتقلص المساعدات للدول الفقيرة 4٫5 مليارات دولار على الاقل نتيجة الازمة الاقتصادية، وهو ما يهدد بدفع اكثر من 50 مليون شخص الى براثن الفقر ويعيد الحملة لمكافحة هذه الافة ثلاث سنوات الى الوراء.
فبعدما كانت الدول الغنية تتردد في تخصيص الدعم للدول الفقيرة خلال الطفرة الاقتصادية، سيكون الامر اكثر صعوبة في ظل الوضع الاقتصادي الراهن.
… عناوين كبيرة قد يكون ضربا من الخيال مجرد التفكير في حلول لها في يوم واحد. ولعل اسياد العالم أصابوا عندما حرصوا في الاسابيع الاخيرة على تقليل حجم التوقعات، والتوضيح ان لندن مجرد محطة في عملية مستمرة، لا عملية قائمة بذاتها. لكن المهم ان يحسنوا اختيار "القطار" الى المحطة التالية، لئلا يستمر "السقوط الحر" للاقتصاد وصولا الى… الهاوية.
"النهار"




















