بات التصعيد سمة أساسية في تصريحات المسؤولين الأتراك الذين كرروا أمس الخميس، تهديدهم بشن عمل عسكري شمال سوريا، بهدف السيطرة على مدن وبلدات إستراتيجية وعلى رأسها تل رفعت وعين عيسى شمال وشمال شرقي البلاد، رغم ما تحتاجه هذه النبرة المتصاعدة من ترتيبات مسبقة وتفاهمات مع الأطراف الدولية الفاعلة، التي ستعارض حتماً، ما لم تحصل في المقابل على مكاسب اقتصادية وسياسية.
يأتي ذلك بينما تتواصل الغارات الروسية وقصف النظام السوري على محافظة إدلب شمال غربي البلاد، وسط تأكيد مصادر محلية للمرصد السوري لحقوق الإنسان و«وكالة أنباء تركيا» أن رتلاً عسكرياً تركياً ثانياً دخل، الخميس، إلى منطقة خفض التصعيد الرابعة إدلب شمال غربي سوريا، وذلك في إطار التعزيزات التي ترسلها تركيا بشكل كبير في اليومين الأخيرين لدعم نقاطها وقواعدها العسكرية هناك.
ومنذ مطلع الشهر الجاري أكتوبر/تشرين الأول، تكرر أنقرة تهديداتها بعمل عسكري قد ينتهي بتغيرات ميدانية في المشهد السوري، وذلك على خلفية استهداف قاعدة للشرطة الخاصة التركية المتمركزة في «مارع» شمال حلب، بالإضافة إلى تساقط قذائف مدفعية على مقاطعة «قرقميش» التابعة لولاية غازي عنتاب التركية. وهدد الخميس كل من وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، بالرد على «اعتداءات «بي كا كا/ ي ب ك» واتخاذ «ما يلزم» بخطوات أكثر جدية لمواجهة هذا الوضع.
واتهم جاووش أوغلو، روسيا والولايات المتحدة بعدم الوفاء بوعودهما حول سحبهم التنظيمات المصنفة على قوائم الإرهاب في تركيا من مناطق الشمالية السورية، 30 كيلومترًا إلى الجنوب وقال «حتى الآن لم تفيا بوعودهما، وفي وضع كهذا سنعمل ما يلزم».
ورداً على سؤال حول عملية محتملة في سوريا، وعن المحادثات مع روسيا والولايات المتحدة بشأن سوريا، في معرض حديثه عن التطورات الراهنة، خلال مشاركته في بث حي على قناة «سي إن إن ترك» قال جاووش أوغلو: «توصلنا إلى فكرة عقد اجتماع مع الولايات المتحدة والدول التي تحمل نفس أفكارنا حول سوريا، أو اجتماع للمجموعة الدولية لدعم سوريا، ونحن نعمل على ذلك، فثمة حاجة لاجتماع كهذا».
ووجه المسؤول التركي رسالة إلى كل من روسيا وإيران مفادها وفق وكالة الأناضول التركية «رأيتم أن الحل العسكري غير ممكن، بيّنوا ذلك للنظام السوري». ولفت الوزير التركي أن النظام السوري رجح الحل العسكري، مؤكدًا ضرورة تراجعه عن هذا الخطأ، ومشددًا على أهمية دعم العملية السياسية.
تزامناً، قال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، الخميس، إن بلاده ستواصل مكافحة الإرهابيين أينما كانوا، وشدد في تصريحات أدلى بها، خلال تفقده برفقة قادة الجيش، مناورات «الإطلاق الحر 2021 على أن تركيا لم ولن تسمح بإنشاء الممر الإرهابي شمالي سوريا» مضيفاً «سنواصل بعزم وإصرار مكافحة الإرهاب في كافة المناطق، التي تضم إرهابيين، فهي تعتبر أهدافاً بالنسبة لقواتنا».
ويتوالى وعيد المسؤولين الأتراك بشن عملية عسكرية ضد قوات «قسد» التي تقودها وحدات الحماية الكردية، ويمكن تحديد جملة من الملامح والمحددات للتفاهمات المحتملة، التي قد تهيئ الأجواء لعملية عسكرية تركية، كما يمكن تحديد أهداف وأولويات هذه العملية.
وفي هذا الإطار يقول الخبير السياسي محمد سرميني إن تل رفعت شمال حلب على رأس قائمة الاهتمامات التركية، بسبب قربها من القواعد التركية المنتشرة في منطقة عمليات «درع الفرات» والشريط الحدودي، كما السيطرة عليها تُتيح لأنقرة إعادة توطين عشرات الآلاف من النازحين المقيمين على الشريط الحدودي، كما يضاف إلى تل رفعت إلى عين عيسى بريف الرقة ضمن قائمة الأولويات تركيا في شمال سوريا.
وعن الدوافع التركية، رأى المتحدث لـ «القدس العربي» أن رغبة أنقرة في إنهاء الخطر الأمني، عبر بتر الهجمات التي تطال قواعدها العسكرية في سوريا، وكذلك الأراضي التركية على اعتبار أنها تشكل خطراً أمنياً، وباتت مكلفة سياسياً بالنسبة لأنقرة.
وحول المعطيات التي تضع الشمال السوري على حافة الصدام العسكري، والسيناريوهات المحتملة، رأى الخبير السياسي أن المعطيات الحالية لا تشير إلى إمكانية حدوث تغيرات ميدانية كبيرة، مرجحاً أن تفكر أنقرة في بدائل مرضية لها، كالعمليات الاستخباراتية التأديبية التي ستستهدف قيادات في «قسد» وحزب العمل الكردستاني متورطة في الهجمات على القواعد التركية.
وقال سرميني «أي تحرك عسكري تركي بحجم السيطرة على مدن وبلدات إستراتيجية سورية، يحتاج بطبيعة الحال إلى تفاهمات سياسية ممهدة له مع الأطراف الدولية الفاعلة» مرجحاً رفض موسكو التوغل التركي البري في المزيد من المناطق الواقعة على الطرق الدولية والتجارية على غرار «تل رفعت» المتموضعة على الطريق الدولي غازي عنتاب – حلب الدولي، والأمر ذاته ينطبق على مدينة «عين عيسى» في ريف الرقة.
لكنه في المقابل قال «من الممكن ألا تعارض روسيا سيطرة تركيا على بقعة جغرافية جديدة، كأن تكون بالقرب من الحدود التركية، وغير متحكمة بالطرق التجارية، مقابل مكاسب اقتصادية قد تتمثل بتسهيل التبادل التجاري بين شمال غربي سوريا ومناطق النظام السوري، أو عدم عرقلة تركيا للمسار السياسي وفق الرؤية الروسية».
وعملت موسكو خلال الأشهر الماضية على زيادة الثقة بينها وبين «قسد» في سياق محاولات إقناع الجانب الأمريكي بأن موسكو قادرة على تقديم الحماية للتنظيم في شمال شرق سوريا، وبالتالي دفع واشنطن لمغادرة المنطقة، ومن الصعب أن نتوقع في الفترة الحالية انسحابات روسية من مناطق إستراتيجية. بينما استبعد الخبير السياسي محمد سرميني، أن تقدم تركيا تنازلات جديدة في منطقة إدلب مقابل تفاهمات بإطلاقها عملية عسكرية ضد «قسد».
“القدس العربي”


























