انقلابات عديدة قام بها العسكر أو حرضوا عليها أو دعموا من قام بها في بلدان العالم العربي في الفترة الأخيرة. هذه الانقلابات تبدو منعزلة عن بعضها، ولكن ليس مستبعدا ترابطها واشتراكها في المحرضين عليها. وآخرها ما حدث في السودان في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وقبلها شهدت تونس انقلابا مشابها بمباركة الرئيس قيس سعيّد الذي يفترض أن يكون أمينا على مرحلة ما بعد الثورة وإنجازاتها. وهناك محاولات مستميتة لإحداث انقلاب مماثل في لبنان، وإنْ كانت فرص نجاحه ضئيلة جدا. وقد دشن العسكر عهدهم بتنفيذ أوامر حكوماتهم في التصدي لإرادة الجماهير بالتدخل في البحرين في مارس/آذار 2011 لقمع ثورة شعبها التي انطلقت في ذروة الربيع العربي. ثم تدخل العسكر في تونس لإبعاد زين العابدين بن علي عن السلطة ثم في مصر أولا لإزالة حسني مبارك في العام نفسه لحماية النظام. وبعد عامين من الحكم المدني تدخل الجيش لإسقاط الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي. وهكذا عاد الوضع العربي مجددا إلى ما كان يعاني منه في مرحلة الانقلابات العسكرية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. هذا مع التأكيد على اختلاف الظروف. فلماذا أصبح قدر الشعوب العربية أن يحكمها العسكر ويمنع الحكم المدني المنتخب؟ وما هي الظواهر الفكرية والايديولوجية المشتركة بين أوضاع الدول التي تصدى العسكريون فيها للإرادة الشعبية أو انقلبوا على الحكم المدني المنتخب؟ وإلى أين تتجه أوضاع الدول العربية التي تعتصر شعوبها ألماً لغياب الحريات والحكم الدستوري وانتهاك حقوق الإنسان؟
في البدء كانت ثورات الشعوب التي أشعلتها نيران أحرقت جسد الشاب التونسي محمد البوعزيزي في 16 ديسمبر/كانون الأول 2010، في منطقة سيدي بوزيد في جنوب العاصمة. جاءت تلك الثورات على غير موعد بعد أن تأخر التحول الديمقراطي في البلدان العربية طويلا، واستعصت أنظمتها على التطوير. وفي البدء أيضا ارتأت القوى التي رأت في التحول السياسي خطرا عليها، تفادي ذلك بخداع الجماهير وتقديم «تنازلات» سياسية سطحية من أجل احتواء غضبهم واكتساب الوقت من أجل التخطيط للانقضاض الكامل على تلك الثورات. وفي حساب التوازنات السياسية المستقبلية حدث التقارب مع الكيان الإسرائيلي ضمن مشروع قوى الثورة المضادة الذي فرض نفسه على المنطقة بأساليب الخداع والألاعيب السياسية والفتك، واستخدم المال النفطي ببراعة لفرض واقع سياسي مختلف تماما عما كان مألوفا في المنطقة. ولم يكتف ذلك المحور بضرب الثورات فحسب، بل بإعادة صياغة تحالفات المنطقة من جهة وضرب مراكز القوى العربية التقليدية في القاهرة ودمشق وبغداد وصنعاء من جهة أخرى، واستبدالها بعواصم قوى الثورة المضادة. وفجأة أصبح هناك واقع جديد تراجعت فيه روح الثورة والتغيير والتصدي للاستبداد والاحتلال، واستبدلت بثقافة التطبيع التي تتضمن كذلك الاستسلام لواقع سياسي تهيمن عليه القوى المضادة للثورة. وتم تدجين الرأي العام بشكل غير مسبوق، فإذا بالصهاينة يتحولون بقدرة قادر ليس إلى حليف سياسي فحسب بل إلى شريك فاعل في التصدي للشعوب وتطلعاتها.
ويتم العمل اليوم لإعادة تأهيل العقل العربي لكي يقبل بشراكة استراتيجية إقليمية تتركز حول دور إسرائيلي محوري في قضايا الإقليم وسياساته وأمنه.
في الأسبوع الماضي أعلن عن مناورات مشتركة بين أمريكا والإمارات والبحرين و«إسرائيل» وهي المرة الاولى التي يحدث هذا منذ احتلال فلسطين قبل أكثر من سبعة عقود. واستمرت المناورات متعددة الأطراف خمسة أيام وشملت تدريبات في البحر تركزت على تكتيكات البحث عن عدو مفترض ومصادرة سفينة الشحن «يو إس إس بورتلاند» حسب ما أفادت وكالة أسوشيتد برس. وقال مصدر عسكري إسرائيلي إن الهدف من المناورات البحرية المشتركة «مواجهة التموضع الإيراني». وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن «البيان الأمريكي عن المناورة البحرية المشتركة مع الإمارات والبحرين فاجأ كثيراً إسرائيل، وبصورة عامة الجيش الإسرائيلي، بحيث كانت تفضل عدم نشر موضوع هذه المناورة على الأقل في هذه المرحلة». هذا الإعلان حدث علنا على مرأى شعوب المنطقة ومسمعها، بالتوازي مع حملات شعواء على الجهات الرافضة للاحتلال والتطبيع معه. وبالتوازي كذلك مع اتصالات علنية بين كل من السعودية والإمارات وإيران، وكانت الرسالة لطهران واضحة: إننا نحتفظ بمسافة متساوية مع كل من طهران وتل أبيب.
تم تدجين الرأي العام بشكل غير مسبوق فإذا بالصهاينة يتحولون بقدرة قادر ليس إلى حليف سياسي فحسب بل إلى شريك فاعل في التصدي للشعوب وتطلعاتها
ولا يبدو من إيران رفض قاطع لتلك المبادرات التي تهدف لتخفيف المعارضة الإيرانية للجهات المطبّعة مع الاحتلال. وضمن سياسات فرض واقع جديد تمارس فيه تلك القوى دورا محوريا في إعادة تشكيل تحالفات المنطقة، تحدث الانقلابات في كل عاصمة يتواجد فيها نفوذ للحركات الإسلامية. فالانقلاب الذي حدث في السودان على يدي الرئيس عبد الفتاح البرهان كان رسالة واضحة ضد جهتين: الأولى جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تحكم بشكل أو آخر قبل الانقلاب على البشير، والثانية أي جهة أخرى تعارض التطبيع أو تعتبر ضمن محور «الإسلام السياسي».
وحسب ما نقلته بي بي سي في 4 فبراير/شباط 2020، فقد لعبت الإمارات دورا في اللقاء الذي تم آنذاك بين عبد الفتاح البرهان وبنيامين نتنياهو في أديس أبابا. ونقلت عن ضابط سوداني رفيع قوله «إن الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط في ترتيب اللقاء وهي تسعى أيضاً لدى الإدارة الأمريكية إلى رفع العقوبات المفروضة على السودان». لكن العقوبات لم ترفع حتى الآن برغم ما قدمه حكام السودان من تنازلات. ففي فبراير/شباط الماضي اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع قرارا تقدمت به الولايات المتحدة بتمديد ولاية فريق الخبراء المعني بالعقوبات الدولية المفروضة على السودان، حتى 12 مارس/آذار 2022. وبرغم اعتراض أطراف سودانية عديدة على مشروع التطبيع، فثمة إصرار على ذلك، وجاء الانقلاب على الحكومة التي يرأسها عبد الله حمدوك لتحقيق أهداف عديدة: أولها إزالة أي عقبة قد تعترض مشروع التطبيع، ثانيها: توسيع دائرة التطبيع إلى شمال أفريقيا العربي وبقية أطرافها، باعتبار السودان بوابة للقارة الأفريقية، ثالثها: اقتلاع أي أثر للإسلاميين الذين كان لهم دور سياسي واسع منذ الانقلاب الذي قام به البشير على حكومة الصادق المهدي في العام 1989. وقد تم ضخ مساعدات مالية وأمنية للعسكر في السودان لتثبيت نفوذهم ومنع قيام ثورة ضدهم. وأنهت سيطرة الجيش على الحكم في 25 أكتوبر/ تشرين الأول اتفاقا لتقاسم السلطة بين الجيش والمدنيين بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في 2019، وكان الغرض من هذا الاتفاق قيادة البلاد إلى انتخابات في أواخر 2023. واعتُقل بعض كبار أعضاء المجلس من المدنيين بينما وُضع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قيد الإقامة الجبرية في منزله.
أما تونس فتعاني من أزمة سياسية حادة منذ الانقلاب الذي قام به الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز الماضي. فقد بدأ سعيّد سلسلة قرارات استثنائية، منها تجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وترؤسه للنيابة العامة، وإقالة رئيس الحكومة، هشام المشيشي. وبرغم وعده بإجراء انتخابات برلمانية إلا أنه تراجع عن ذلك، وأعطى نفسه الحق لإدارة البلاد وفق أوامر رئاسية. وكان دعم قوى الثورة المضادة للانقلاب واضحا. فقد رحبت به وسائل إعلام وكتّاب خصوصا في الإمارات والسعودية والكويت، واعتبرته «ضربة ماحقة لحركة النهضة والإخوان المسلمين». وشاركت في هذه الحملة صحف سعودية مثل الوطن والرياض وعكاظ، وإماراتية مثل الاتحاد والبيان. كما دعم الانقلاب عدد من الكتّاب السعوديين مثل خالد السليمان وحمود أبو طالب وعبد الرحمن الراشد، ومن الكويت أحمد الجار الله. هذا الدعم يعكس أزمة الأمة التي تتعرض عقلية طلائعها لحملات إعلامية منظمة تدعم الاستبداد وتتصدى لمحاولات التغيير والتحول الديمقراطي، وتتنكر لمقاومة الاحتلال وترحب بالتطبيع مع محتلي فلسطين وتُشيطن من تسميهم «مجموعات الإسلام السياسي».
هذه الملامح العامة لما يجري في العالم العربي تؤكد إصرار قوى الثورة المضادة على إبقاء الاستبداد ومنع التحول الديمقراطي في المنطقة العربية وترويج التطبيع مع الاحتلال، واستهداف الحركات الإسلامية المبدئية التي تسعى لإقامة مشروع سياسي عصري من منطلق إسلامي. وبهذا يتضح حجم التآمر على الأمة باقتلاع ما بقي من إنجازات محدودة حققتها الثورات بدماء شهدائها وتضحيات شباب الأمة. فبعد عشرة أعوام على الربيع العربي، أصبح الوضع أسوأ مما كان عليه قبل ذلك، هذه المرة أصبحت الجماهير العربية في مواجهة متواصلة مع تحالف شرّير اسمه تحالف قوى الثورة المضادة، وهي مواجهة محتومة وشاقة، ولكن نتائجها الإيجابية لصالح الشعوب ستتحقق ولو بعد حين.
كاتب بحريني
“القدس العربي”


























