المستقبل –
يأتي عيد العمال هذا العام كمثل غيره من أعياد الأول من أيار، تعطّل فيه المؤسسات والمدارس، وتطلق فيه البيانات والتصريحات المؤيدة لحقوق الطبقة العاملة، ورفع مستوى المعيشة وغيرها من قضايا.
لطالما اختلف عيد العمال اللبناني عن غيره من أعياد العمال في العالم. كان مناسبة يتوحّد حولها اللبنانيون مثل باقي الأعياد الدينية, مع ان انقساماتهم كانت من النوع الذي لا يحتمل، فيما في الخارج كان هذا العيد يمثل انقساماً واضحاً بين مختلف الطبقات. اتحاد لعبت فيه النقابات دورا" أساسيا" لا يمكن احتسابه على القائمين على الحركة النقابية في هذا الوقت. فخلال الثمانينات، استطاعت النقابات العمالية بين منطقتي الحرب الأهلية القيام بمسيرات من كل المناطق التقت على محور المتحف البربير، يومها استطاع اللبنانيون الالتقاء للمرة الأولى بعد نحو عشر سنوات من الحرب الأهلية. اليوم وفي الوقت الذي نامت فيه النقابات عن أعمالها، صار أي تحرك لها يستوقف الجميع لقراءة الموقف السياسي المطلوب منه، وليس أي مطلب عمالي.
غابت الحركة العمالية عن الوجود لأسباب كثيرة، حيث صارت مراكز قوى تمثّل أحزاب وقوى سياسية لا علاقة لأيديولوجياتها بالعمل النقابي، وصارت هذه النقابات ومنها الاتحاد العمالي العام، قبضة داخلية تستعمل في الصراعات السياسية والطائفية، ما أدى إلى انقسامها على بعضها وتحوّل بعضها ستارة لمحاولات الانقلاب والانقسام، وخصوصاً كما حصل في السابع من أيار من العام الماضي.
حركة نقابية بدلاً من حركة عمالية، هكذا تحوّلت جمعيات تنظيم العمال، فالموظفين والأجراء والعمال والمستخدمين بأكثريتهم المطلقة لا ينضمون إلى النقابات العمالية إلا بالصدف السعيدة، وأكبرها لا يضم أكثر من 500 عضو لا يحضر نصفهم، ولا يشارك نصف من يحضرون في العمل النقابي، لتصير النقابات فاعلة فقط يوم انتخاب مجلسها التنفيذي، حيث يتشارك عدد من النقابات مجموعات من الأعضاء، فيصير العضو في نقابة كذا، عضواً في نقابات ثانية وثالثة.
لم يكن عيد العمال أو الأول من أيار يوماً عادياً في لبنان،أو أقله منذ أربعينات أو خمسينات القرن الماضي على أقل تقدير. فهذا اليوم تحوّل بفعل نضال الآلاف من العمال والموظفين والمستخدمين خلال الانتداب الفرنسي والسنوات الأولى للاستقلال اللبناني إلى مطلب سنوي بتحويله يوم عطلة وعيد.
أقرّ هذا العيد في لبنان، فتحوّل وبقدرة قادر إلى عيد للعمل والعمال، في شراكة غريبة فرضها أمر واقع الاختلاف السياسي اللبناني بين الانتماء إلى أحلاف عربية تتوالف مع دولة الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية،أو الانتماء إلى أحلاف عربية أخرى تتناقض ودولة البلاشفة أي الشيوعيين في موسكو.
كل عام كان الاتحاد العمالي العام المنقسم على نفسه يتلقى آلاف برقيات التهنئة من السياسيين ورؤساء الطوائف الروحية، ومن رؤساء المؤسسات الاقتصادية، في همروجة أبقت هذا العيد ضمن تركيبة الأعياد اللبنانية التي توافق عليها الجميع كمثل كل الأعياد الطائفية والدينية في لبنان. حتى ان الكثير من حفلات الزجل كانت تقام اكراماً لهذا العيد، من زغلول الدامور وأسعد سعيد، ومحمد المصطفى وغيرهم من روّاد الشعر الشعبي.
[ نضال قديم
في أعوام الستينات استطاع العمّال في لبنان الحصول على قرار تأسيس الضمان الاجتماعي والصحي، فنضال السنوات الطويلة سمح للموظفين والمستخدمين والأجراء والعمال الدخول في بنية مؤسساتية تحميهم صحياً وتساهم في تأمين تعويض نهاية الخدمة بعد أعوام العمل. مالية الضمان تتكون من اشتراكات أصحاب العمل ومن اشتراكات العمال إضافة إلى تغطية الدولة لأي عجز يحصل. نجحت الفكرة، وصارت مؤسسة الضمان من أكبر المؤسسات اللبنانية، ولكن الانغماس في الحرب الأهلية دمّر العديد من المؤسسات وتحديداً هذه المؤسسة.
بعد انتهاء هذه الحرب استلم حلفاء سوريا وزارة العمل ففرّخوا مجموعة كبيرة من النقابات، فجأة تحوّلت أحزاب تعادي العمل النقابي في مبادئها إلى أحزاب تشارك في قيادة الاتحاد العمالي العام، لتتحول هذه الأحزاب بعد فترة إلى مهيمنة على الاتحاد، حيث صار لكل نوع عمل عدة نقابات واتحادات عمالية، وتحوّلت قرارات الاتحاد العمالي العام إلى مفتاح طريق لعدد من القوى السياسية. وكان للضمان حصة من هذا التحول, فصار مديونا "بعدما كان دائنا", وذلك بسبب امتناع الكثير من المؤسسات عن تسديد المستحقات وغياب النقابات التي تراقب، وتحول مجلس إدارة الضمان إلى مركز يعبّر عن سيطرة سياسية لزعماء وسياسات ارتبطت في أكثر الأوقات بالوصاية السورية على لبنان.
في التحليل الطبقي الماركسي، لا يمكن اعتبار لبنان بلد الطبقة العاملة، فالعاملون يعتبرون مستخدمين وأجراء، فلا مصانع كبيرة ولا"مانيفاكتورات" تعمل على مدار الساعة، جلّ ما في الأمر مراكز إعادة تصنيع وتركيب صغيرة أو متوسطة، ومؤسسات خدمات، تعتمد على التجارة والتحويل أكثر مما تعتمد على حركة صناعية ويد عاملة ضخمة كمثل الكثير من دول العالم.
[ بين بيروت والقاهرة
شكلت بيروت والقاهرة موطنا اول التحركات العمالية في العالم العربي بدأت التي ارتبطت بمجمل التغيرات العالمية التي رافقت الحرب العالمية الأولى، مع انهيار القيصرية في روسيا وصعود نجم الشيوعية في تلك البلاد، بالإضافة إلى التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في أوروبا، حيث سيطرت أحزاب أكثر ليبرالية على السلطة مكان الأحزاب المحافظة. وكذلك أدى دخول منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي في فضاء الانتدابين الفرنسي والبريطاني إلى تغيرات في مفاهيم العلاقات الفردية والعامة لدى الكثيرين، فانقلبت العلاقات القائمة على الريعية بين العمال وتحديداً الزراعيين وأصحاب العمل "الاقطاع" إلى كرّ وفرّ باتجاه تحسين الظروف المعيشية.
في الاسكندرية والقاهرة بدأ بعض اللبنانيين عملهم بإنشاء نقابات عمالية سرية مع عمال مصريين آخرين تحوّلوا إلى قادة للحركة العمالية في مصر. نجحت هذه الحركة بفرض تحركات اضطرت الحاكم الانكليزي إلى ابعاد اللبنانيين خارج مصر وإعادتهم إلى لبنان، وسجن المصريين لمنعهم من التحرك مجدداً.
في بيروت وجد العائدون من مصر في بداية عشرينات القرن الماضي، فرصة مناسبة لانشاء نقابات كان أولها نقابة لعمال زراعة وصناعة التبغ في مناطق بكفيا وبيروت، تلاها العمل على تفعيل نقابة عمال المطابع والتي كنت تمثل أيضاً الصحفيين والمحررين.
في تلك الأعوام تحوّل العمال النقابيون إلى لعبة الفأر والقط مع سلطات الانتداب، وبدأ الاحتفال بالأول من أيار يظهر في بيروت في العام 1925 في سينما ريفولي وسط بيروت، واقتصر أيضاً على بعض التجمعات الصغيرة في بعض المناطق.
مع تغيّر الحكومات الفرنسية في الثلاثينات سمح المندوب السامي باحتفالات الأول من أيار، ورخّص لعدد من النقابات، ومع الوقت تبدلت أوضاع العاملين في لبنان، بعدما تم وضع قانون لتنظيم العمل في الأربعينات، ليتم تطويره في الخمسينات والستينات عبر مراسيم سمحت بزيادة الأمان الاجتماعي للعاملين في المؤسسات. وساهم هذا القانون في تأمين ضمانات ملزمة للعمال وكذلك في منع الاستغلال بكل أشكاله.
[ انطلاقة العيد
كثيرة هي الدول في العالم التي تحتفل بعيد العمال في الاول من أيار, وان اختلفت ظروف الاحتفال وطقوسه في كل منها. البداية كانت في شيكاغو في الولايات المتحدة في العام 1886 في" تظاهرة عمالية ضخمة مع الكثير من الدماء المهروقة أرضاً"، حسب ما وصفها مراسل إحدى الصحف الأميركية المعروفة في تلك الفترة. عمال المصانع في ذلك اليوم، خرجوا في تظاهرة كبيرة تضم بضعة آلاف وهو رقم كبير وقتها، ولا يمكن قياسه إلى التظاهرات المليونية التي تحدث في عصرنا الحالي، رفع العمال في شيكاغو شعاراً بسيطاً وهو "ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم وثماني ساعات راحة" وهو ما يساوي 24 ساعة في اليوم. فالعمال الذين كانوا يشتغلون في ظروف سيئة لساعات طويلة رجالاً ونساءً وأطفالاً، لم يكن لديهم أي تنظيم لعملهم أو لعلاقتهم بأرباب العمل، وخصوصاً النساء والأطفال الذين تحوّلوا إلى عبيد للتطور المتمثل بآلة البخار والفحم الحجري في منتصف القرن الثامن عشر.
سارت التظاهرة في شوارع مدينة شيكاغو، اشتبك العمال مع الشرطة التي منعتهم من اكمال مسيرهم وأطلقت النار عليهم، فقتلت منهم مجموعة وتحولت القضية إلى سجال في الرأي العام. ظروف مقتل العمال في ذلك اليوم لها روايتان على الأقل، الأولى وهي الرسمية، ان بعض العمال أطلقوا النار على الشرطة، فاضطرت الشرطة أن تردّ بالمثل وتقتل من قتلت. أما الرواية الثانية، وهي الأقرب إلى واقع تلك الأيام، وهي ان أحد رجال الشرطة السرية أطلق النار من بين العمال تجاه رفاقه الشرطيين، فحصلت المجزرة، واصيب فيها أحدهم الذي اعترف لأحد الكهنة خلال احتضاره بنوع عمله. ما حصل فجّر القضية، وساهم ولو بعد سنوات في تغير الواقع نحو التحسن البطيء، ليصل العمال إلى الصيغ الحالية التي يعيشونها.
صار العمال في العالم يحتفلون في الأول من أيار بذكرى رفاقهم عمال شيكاغو الذين ماتوا من أجل تنظيم حقوقهم، ومع الوقت تبدلت الأمور، وبدأ التحسن في الرواتب وتخفيض ساعات العمل بالإضافة إلى تحقيق ضمانات صحية واجتماعية، انتظرت طويلاً لتصير واقعاً عادياً تفرضه القوانين، حتى في أكثر البلدان إجحافاً بحقوق الطبقة العاملة.




















