الحياة – 30/04/09//
تضمن العدد الاخير من مجلة «الايكونوميست» الصادرة في بريطانيا (25/04/2009) تقريرا مليئا بالارقام والتقديرات المتفائلة عن الاقتصاد اللبناني. جاء في التقرير ان معدل النمو السنوي للعام الفائت تجاوز التوقعات فوصل الى 9 في المئة، وان الودائع في المصارف اللبنانية ارتفعت بمعدل 15 في المئة بحيث بلغت 94 بليون دولار وان احتياطي البنك المركزي وحده بلغ 22 بليون دولار. وبحسب التقرير ايضا فقد اقترنت التدفقات المالية الى بيروت بارتفاع ملحوظ في الصادرات الصناعية بحيث بلغ معدل 24 في المئة، وكذلك في عدد السياح الذين وفدوا الى البلاد.
يقول مثل انكليزي ان هذه الاخبار هي جيدة الى درجة يصعب تصديقها. وما يجعل تصديق هذا التقرير اكثر صعوبة تقرير آخر نشرته وحدة المعلومات الاقتصادية التابعة لـ «الايكونوميست» نفسها اذ غلب عليه التشاؤم تجاه الاقتصاد اللبناني. بيد ان الفارق بين التقريرين هو ان الاول يتحدث عن السنة المنصرمة بينما يركز التقرير الثاني على احتمالات المستقبل.
يقول التقرير الثاني ان لبنان استطاع حتى الآن تفادي التأثر بالازمة المالية العالمية. وهذا ما تؤكده ايضا استنتاجات بعثة صندوق النقد الدولي التي زارت بيروت خلال الشهر الفائت لتقييم الاوضاع الاقتصادية في لبنان. الا ان هذه التقارير تجمع على ان الآثار السلبية للازمة العالمية قد تلقي بثقلها خلال الاشهر القادمة على لبنان. تحديدا يقول تقرير صندوق النقد الدولي ان لبنان يواجه "خطر تقلص الاموال التي يرسلها اليه المغتربون وعدد السياح والصادرات اللبنانية والاستثمارات الاجنبية والودائع ومن ثم تراجع معدل النمو من نسبته الحالية الى 3-4".
الى ماذا تعزو هذه التقارير واقع لبنان الواعد، من جهة، ومستقبله المليء بالاخطار والتحديات، من جهة اخرى؟ كيف تسنى للبنان ان يفلت، حتى الآن، من قبضة الازمة العالمية المستبدة؟ تعيد التقارير الثلاثة قدرة لبنان على احتواء مضاعفات الازمة العالمية الى عوامل عدة منها الحكمة التي تحلى بها المسؤولون عن الاقتصاد اللبناني. ومن بين هؤلاء تخص مجلة «الايكونوميست» بالذكر حاكم البنك المركزي رياض سلامه الذي اتبع سياسة محافظة جنبت المصارف اللبنانية التورط في المغامرات المالية. بيد ان هذا العامل، على اهميته، لا يفسر وحده، كما يؤكد تقرير وحدة المعلومات التابعة لـ «الايكونوميست»، سير الاوضاع الاقتصادية في لبنان. فالسياسة الحكيمة التي اتبعها مسؤولون لبنانيون في مجال الاقتصاد لم تحل دون انحدار معدل النمو في لبنان انحدارا مخيفا خلال عام 2007 لكي يصل الى 6- في المئة.
فما هي العوامل الاخرى التي ساعدت لبنان على النهوض وعلى حمايته من مضاعفات الازمة المالية العالمية؟ يجيب البعض على هذا السؤال بالقول: "انها السياسة ايها الفهيم"، فهنا كانت المتغيرات الرئيسية وفي مقدمها ما يلي:
1- خروج فريق جورج بوش وديك تشيني من البيت الابيض. فادارة بوش التي دأبت على التأكيد على ان لبنان هو «اولوية في سياستها الخارجية» سعت الى تحويل لبنان الى جبهة صراع امامية ضد سورية وضد المقاومة العراقية والى حليف غير معلن لاسرائيل. وادارة بوش التي اعلنت مرارا دعمها للبنانيين كانت في الواقع تؤلبهم على بعضهم البعض وتعمل بنشاط على اجهاض مساعي التفاهم والتضامن بين الاطراف اللبنانية المتنافسة. ان هذه السياسة ألحقت ضررا كبيرا بالحياة السياسية اللبنانية وبالاقتصاد اللبناني.
2- مع الانتقال من ادارة بوش – تشيني الى ادارة اوباما وتراجع عنصر الآرابوفوبيا في السياسة الاميركية توفرت ظروف افضل لاحتواء الصراعات اللبنانية – اللبنانية، وللتحسن في العلاقات العربية – العربية، وانفتح الباب امام المصالحات بين دول المنطقة. وكانت المصالحة الاكثر اهمية وتأثيرا، في الحسابات اللبنانية، المصالحة السعودية – السورية. فالصراعات العربية – العربية كانت ذات صلة مباشرة بالاوضاع اللبنانية. وكثيرا ما ادرجت «المسألة اللبنانية» على طاولة التفاوض بين الدول العربية، وكثيرا ما قيل ان التفاهم حول هذه المسألة يقود الى تذليل عقبة رئيسية كانت تحول دون تحسين العلاقات بين الدول العربية الرئيسية في المشرق العربي. ومن دون تحسين هذه العلاقات ظل التوتر العالي الذي كان يخيم على العلاقات بين هذه الدول عنصرا مؤثرا بصورة مباشرة وسلبية على اوضاع لبنان الاقتصادية والسياسية.
3- اتفاق الدوحة الذي نجح في وضع حد لاحتمالات المجابهات المسلحة، وفتح الطريق امام انتخاب رئيس جمهورية يتصف بالحكمة والاعتدال ويعبر في سلوكه ومواقفه عن الروح الميثاقية التي غابت عن لبنان لسنوات كثيرة. كذلك فتح اتفاق الدوحة الطريق امام تشكيل حكومة ائتلافية تضم اهم الاطراف اللبنانية المتصارعة. ان هذه الاطراف لا تمثل بالضرورة افضل القوى السياسية في لبنان، ولا اقربها الى روح الاصلاح والتنور والالتزام بالمصلحة الوطنية ولا اكثرها تمسكا بالمعايير الاخلاقية. ولكنها تمثل على الاقل قوى «الامر الواقع» القادرة، اذا بقيت خارج الحكم، على تهديد الامن والاستقرار وحتى الوحدة الترابية للبنان. ان انتظام هذه الاطراف في حكومة ائتلافية ساهم ولا شك في توفير مناخ الهدوء النسبي الذي خيم على لبنان فشجع على نهوض اقتصاده.
4- التحول في اوساط الرأي العام اللبناني ابتعادا عن الاطراف اللبنانية التي حملت مسؤولية استمرار وتصعيد الازمة اللبنانية. هذا التحول لم ينتج اية ظاهرة سياسية مهمة، اي انه لم تنشأ كتلة سياسية ذات شأن تعبر عن مشاعر الاستياء والاستلاب والكفر بالقيادات السياسية التي وضعت لبنان يوميا على شفير الهاوية. ولكن كانت هناك تعبيرات كثيرة بين الشباب والفنانين والنقاد والمثقفين والمثقفات عن هذه المشاعر. ولقد تحولت هذه التعبيرات الى عناصر ضغط على القيادات السياسية حتى تنهي الازمة السياسية ومن ثم الاقتصادية.
لئن ساهمت هذه العوامل في فتح الابواب امام سلسلة من الخطوات الايجابية، فإن اثرها قد يكون موقتا وعابرا بخاصة اذا ما تلبدت الاجواء الاقليمية والدولية مرة اخرى. واذ عامل البعض اتفاق الدوحة وكأنه هدنة موقتة، فإن الرغبة في التخلص منه والعودة الى الاوضاع التي سبقته تطل في العديد من التصريحات والبيانات الصادرة عن اطراف ممثلة في الحكومة الائتلافية الحالية. ويعامل اصحاب هذه التصريحات والمواقف اتفاق الدوحة وكأنه عبء عليهم وعلى البلد وهم يعدون بالتخلص منه ومن الحكم الائتلافي بعد الانتخابات النيابية.
يبقى التساؤل حول مصير المعارضة في ظل الحكم الائتلافي الذي يعد البعض العدة لدفنه بعد الانتخابات. هذا التساؤل مشروع وفي محله. ذلك ان الحكم الائتلافي تحول في العديد من الدول الى ما يشبه حكم الحزب الواحد. الا ان تجارب الحكم الائتلافي في لبنان لم تفض في اي وقت من الاوقات الى القضاء على المعارضة. فحتى خلال فترة الانتداب الفرنسي كانت للحكومات الائتلافية نتائج معاكسة اذ ادت الى اتضاح الصورة بين مؤيد للانتداب ومعارض له. وخلال المراحل اللاحقة نجحت الحكومات الائتلافية في تجميع الغالبية من انصار العهود المختلفة في تركيبات حكومية واحدة، وفي الحفاظ على شيء من الاستقرار السياسي. ولكن هذه التجارب لم تنجح في القضاء على المعارضة. وفي ايامنا هذه اذا نجحت الحكومات الائتلافية في ضمان شيء من الاستقرار السياسي فإنها لا تفيد اقتصاد البلاد فحسب، ولكنها تفسح المجال امام قوى التغيير والاصلاح لكي تلتقط انفاسها وتنظم صفوفها وتنمي قواها.
* كاتب لبناني




















